الإبداع بكل أشكاله وكافة أساليبه هو تعبير صادق وحر وأمين عما بداخل العقل من أفكار ومشاعر وأحاسيس؛ يخرج في لحظة إبداعية إلى المتلقي ويُحدث ردود فعل لدى المتلقي يمكن أن يتوافق مع أفكار المبدع أو لا يصل إلى تلك الأفكار، بل يمكن أن يتجاوز أفكار المبدع من خلال اكتشاف أفكار لم يحسها المبدع، وهذه هي قيمة الحالة الإبداعية.
المأزق هنا هو في هذه الجماعات التي تتخندق وراء أفكار معينة أو لها تفسيرها الخاص وفهمها الذاتي لنصوص دينية تم إبعادها عن السياق العام والمقاصد العليا للأديان، معتبرين العمل الفني والإبداعي حالةً ماديةً يمكن قياسها ومطابقتها لمقاييس وأوزان يحددونها هم بطريقتهم ومن وجهة نظرهم، ثم يُصدرون أحكامهم الجائرة وغير المدركة للفن أو الفاهمة للإبداع.
والأهم هو إصدارهم لتلك الأحكام مختومة بذلك الخاتم الذي استغله طوال التاريخ كل المستبدين والمسيطرين، والذين يحافظون على مواقعهم ومنافعهم وهو الخاتم الديني، معتمدين في ذلك على الجمهور العريض الذي لا يملك سوى ذلك الشكل من التدين الذي جعل العاطفة الدينية هي البديل لذلك الإيمان العميق والصحيح للدين.
وللأسف فتلك الجماعات المتمسكة بالدين لهدف شخصي قد سمح لها المناخ المتدين بشكلٍ من التدخل في كل القضايا عن غير فهم أحيانًا، قاصدةً فرض وصايتها في كل الأحيان.
وآخر أخبار تلك الرقابة الدينية غير الشرعية وغير القانونية، والتي تفرض نفسها استغلالاً للدين، هو ذلك الموقف من رواية الدكتور يوسف زيدان باسم "عزرائيل"، وهي عمل أدبي أوهم فيه المؤلف القارئ بأن أحداثه استقاها من خلال مخطوطات سريالية، وهذا الإيهام جائز، حتى إن العمل يدخل تحت بند الإبداع الأدبي ولا علاقة له بالعقيدة الدينية.
وهنا نقول: حتى ولو كان للمؤلف رأي أو أن المؤلف قد استقى آراءه من مؤرخين غربيين أو من مصادر أخرى، تلك الآراء التي أزعجت بعض القساوسة، وهي أن المسيحيين في بداية عهدهم قد قاموا بتعذيب غير المسيحيين، وهنا فلا أحد ينكر وقعة قتل وتعذيب العالمة هيباتيا، ولكن كون أن هذا قد تم عن طريق وبمعرفة كيرلس عامور الدين من عدمه فهذا طبيعي جدًّا؛ حيث إنه كمسلم هو أقرب إلى النسطورية بلا شك، والتي تقول إن المسيح رسول، أي أن ما جاء بالقصة لم يكن إساءة للمسيحيين، ولكنها آراء موجودة في العقائد الأخرى غير المسيحية، فهل عندما تذكر في إطار أدبي وإبداعي تصبح إساءة ويتم مصادرتها؟!.
وعلى هذه الوتيرة المتعصبة ظهر رجل دين مسيحي لكي يرد على "عزازيل" برواية باسم "تيس عزازيل في مكة"، وهذا ليس ردًّا فكريًّا، ولكنه التعصب والتطرف باسم الدين ضد الفن والإبداع.
ويا ليت رجال الدين يتفرغون لمهمتهم في تقوية تابعيهم دينيًّا حتى يقوى الإيمان الصحيح، وبهذا الإيمان يستطيع المؤمن أن يفرز الغث من السمين؛ فلا وصاية على الفكر ولا مصادرة لإبداع باسم الدين؛ فبالحرية نؤمن بأدياننا، وبالحرية نبدع، وبالحرية نحكم ونقبل ونرفض كذلك.