إغلاق مدرسة الجزيرة بالإسكندرية، وتشميعها بالشمع الأحمر، وتشريد أكثر من 1000 تلميذ حدثٌ جلَلٌ؛ عايشناه الأيام الماضية، فلأول مرة نرى مدرسةً يقع عليها هذا العقاب الإداري الغريب، والذي كان يمكن أن نقبله لو كان المكان المغلق محلَّ جزارة أو ورشة ميكانيكي، وهي هي نفس المدرسة التي دخلت موسوعة جينس من أوسع الأبواب؛ لكونها أول مدرسة يتم تسويتها بالجرافات والبلدوزرات دون رحمة أو شفقة وقبل إخلائها من الأثاث ومقاعد التلاميذ وأجهزة الكمبيوتر ومحتويات المعامل والمكتبات بل وأوراق وملفات التلاميذ!!.

 

مرةً أخرى يمكن أن نفهم إزالة مبنى مخالف بعد عمل الإنذارات اللازمة وبعد إخلائه.. لكن أن يتم إزالة مدرسة على رؤوس أصحابها وبكامل محتوياتها.. فكانت جديدة علينا بل ومذهلة!! ناهيك عن أن المنطقة المقامة عليها المدرسة (منطقة العجمي بغرب الإسكندرية) لا يوجد فيها مبنى واحد حاصل على تراخيص من أصله!!.

 

حضرت أمس المؤتمر الصحفي لشرح أبعاد هذه القضية والتضامن مع المدرسة، والذي حضره مئات الطلاب وأولياء الأمور، والذي أوضحَت فيه إدارة المدرسة حصولها على كافة التصاريح والتراخيص، واتخاذها كافة الإجراءات اللازمة لبناء المدرسة في الوقعة الأولى، وحصولها على حكم قضائي باستكمال الدراسة في فيلا مؤجَّرة بعد هدم المدرسة الأصلية حتى يتم الفصل في النزاع، وكيف أن الأجهزة المحلية والأمنية في مصر تلاحق هذه المدرسة من مكان إلى مكان ومن شارع لشارع؛ حتى تم تشميع الفيلا المؤجرة لاستكمال الدراسة!.

 

هذا المؤتمر التضامني مع هؤلاء التلاميذ الذين تم تشريدهم بكل صفاقة واستهتار مع أول أيام الدراسة وحصار مدرستهم بمئات الجنود من الأمن المركزي، والذين لم نسمع لهم حسًّا في كارثة الدويقة؛ اللهم إلا قمع أهالي الضحايا، وكان الأَولى بهم رفع الأنقاض بدلاً من قيام الأهالي بذلك!!.

 

أمر غاية في الخطورة، خصوصًا بعد ما ألمح موقع "المصريون" الإلكتروني إلى حل هذا اللغز المحيِّر، وهو قيام مركز كاثوليكي لرعاية المعاقين بمنطقة برج العرب بتقديم بلاغ للسفارة الأمريكية؛ يتهم فيها مدرسة "الجزيرة" بأنها ذات طابع ديني على غرار المدارس الباكستانية، وأن الدراسة تعطل فيها أثناء الصلاة.

 

وألمح الموقع إلى علاقة مديرة هذا المركز القوية بالسفارة الأمريكية وقيام السفير الأمريكي السابق بزيارة المركز عدة مرات، وكذلك قيام مارجريت سكوبي السفيرة الحالية بزيارتها هي الأخرى من عدة شهور.

 

انتابتني حيرة كبيرة أثناء حضوري هذا المؤتمر.. ليس مما قصه أهالي التلاميذ عن دور المدرسة ومستواها التربوي والتعليمي الراقي، وليس مما رواه طفل غض بريء في (الكي جي وان) لوالده وهو في قمة الغضب؛ بعد ما ذهب للمدرسة فوجدها محاطةً بالمدرَّعات وجنود الأمن المركزي، قائلاً: "يا بابا.. العساكر الوحشين قفلوا المدرسة.. عايز الفيل ييجي يموتهم".

 

سبب تعجبي أمر آخر تمامًا.. ألا وهو غياب الشارع عن هذا الحدث الخطير؛ فالحضور الذي تعدَّى 600 فرد خلاف التلاميذ كان معظمهم من أولياء وأهالي التلاميذ؛ اللهم إلا عددًا محدودًا ممن يهتمون بالشأن العام ومن رجال الإعلام والصحافة.

 

سألت نفسي: أين التيارات السياسية الموجودة على الساحة؟ أين المواطن المصري الصالح الشريف الحر؟ أين النخبة؟ أتوجد مصيبة أكثر من هذا للتحرك والتفاعل؟

 

توجهت لكثير منهم بعد انتهاء المؤتمر بساعات متسائلاً: أين كنتم؟ ولماذا لم تحضروا هذا المؤتمر المهم، رغم انتشار الدعوة له على عشرات المواقع علي الإنترنت وعلى الفيس بوك..؟!

 

كان ردُّ غالبيتهم صادمًا لي: رمضان كريم..!! الوقت ضيق..!! وقال بعضهم: مش فاضيين؛ حنصلي التراويح!.

 

جُنِنْتُ من هذا الرد.. وقفت أسأل نفسي: أهو خلل في الفهم أم نوع من الهروب أم استهبال مقصود من ترك المهم والاكتفاء بالسهل والمريح؟ هل يُعقل هذا؟! هل يوجد على وجه الأرض أهم من الوقوف بجوار ضحية أو مظلوم؟ هل يوجد سبب أو عائق أو شاغل يمنع من التضامن مع أطفال حُرِموا من حقهم في التعليم بعد أن أصبحوا ضحايا لحسابات وتصفيات سياسية حقيرة؟

 

يا سادة.. نفتقد الآن دون أي وقت مضى ثقافة الانتباه والنظر فيما يجري حولنا والتفاعل معه وفهم خلفياته والآثار المترتبة عليه.

 

يا سادة.. أعتقد أن المشي في حاجة 1000 تلميذ خيرٌ لنا من صلاة 1000 ركعة.
يا سادة.. انتبهوا يرحمكم الله.

 

هناك نظام يظلم ويتجبَّر على أبناء شعبه فقط.. يريد منا وقفة جادَّة حتى يرتدع ويلم نفسه؟! أم نذهب لصلاة التراويح وننتظر أن تتحقَّقَ نبوءة الطفل ويرزقَنا الله بفيل يقضي على أبرهة وجنوده ونكتفي بدور المشاهد؟!

 

من فضلكم ابحثوا معنا عن فيل!!.

----------

* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- haythamabokhalil@hotmail.com