محمد الحليسي

كتاب "طبائع الاستبداد" لعبد الرحمن الكواكبي رائع في موضوعه، لكنه كتب بأسلوب عالٍ، وتطويل مسهب، فأردنا أن نبسِّط عباراته، ونستبدل بها ما يناسب، ثم تصرفنا في العرض والحكاية، وأنشأنا نداءً وحوارًا لعل فيه الإفادة، جعل الله ذلك في ميزان حسنات الرجل، ولا حرمنا أجر الدالين على الخير.
ونحن تصورنا الوطن يناشد شعبه، فكان هذا الحوار:
يا قوم.. هداكم الله، إلى متى هذا الشقاء المديد والنّاس في نعيمٍ مقيم، وعزٍّ كريم؟! أفلا تنظرون؟! وما هذا الانخفاض والناس في أوج الرّفعة؟! أفلا تغارون؟ أناشدكم الله؛ هل طابت لكم طول غيبة الصواب عنكم؟!.
يا قوم.. أراكم تقلِّدون الأعداء في مساوئهم ولا تقلِّدون أجدادكم في محامدهم! أين الدين؟! أين التربية؟! أين الإحساس؟! أين الغيرة؟! أين الجسارة؟! أين الثبات؟! أين الرابطة؟! أين المنعة؟! أين الشهامة؟! أين النخوة؟! أين الفضيلة؟! أين المواساة؟! هل تسمعون؟!.
يا قوم.. عافاكم الله، إلى متى هذا النوم؟! وإلى متى هذا التقلُّب على فراش البأس ووسادة اليأس؟! أنتم مفتَّحةٌ عيونكم ولكنكم نيام، لكم أبصار ولكنكم لا تنظرون، وهكذا ﴿لا تعمى الأبصار، ولكنْ تعمى القلوب التي في الصّدور﴾ لكم سمعٌ ولسانٌ ولكنكم صُمٌّ بُكمٌ، ولكم نفوسٌ حقُّها أن تكون عزيزة، ولكنْ أنتم لا تعرفون لها قدرًا ومقامًا فرددتموها تعيسةً ذليلةً!.
يا قوم.. أُعيذكم بالله من فساد الرأي، وضياع الحزم، وفقد الثقة بالنفس، وترك الإرادة للغير، فهل من العقل أن يوكِّل الإنسان عنه وكيلاً ويُطلق له التصرُّف في ماله وأهله، والتحكُّم في حياته وشرفه والتأثير على دينه وفكره، مع العفو عن هذا الوكيل عن كلِّ عبثٍ وخيانة وإسرافٍ وإتلاف؟!.
يا قوم.. قد ينفع اليوم الإنذار واللوم، وأما غدًا إذا حلَّ القضاء، فلا يبقى لكم غير النّدب والبكاء، فإلى متى هذا التخادع والتخاذل؟! وإلى متى هذا الإهمال؟! هل طاب لكم النوم على الوسادة اللينة وسادة الخمول؟! أم طاب لكم السكون وتودُّون لو تسكنون القبور؟! أم عاهدتم أنفسكم أن تصلوا غفلة الحياة بالممات، فلا تفيقون من السُّبات قبل صباح يوم النشور؟!.
يا قوم.. ما هذا الحرص على حياةٍ تعيسةٍ دنيئة لا تملكونها ساعة؟! ما هذا الحرص على الراحة الموهومة وحياتكم كلُّها تعبٌ ونصَب؟! هل لكم في هذا الصَّبر فخرٌ أو لكم عليه أجر؟! كلاّ واللهِ.. ساء ما تتوهمون، ليس لكم إلا القهر في الحياة، وقبيح الذِّكر بعد الممات.
يا قوم.. هوَّن الله مصابكم، تشكُون من الجهل ولا تنفقون على التعليم نصف ما تصرفون على التدخين، تشكون الفقر ولا تطالبون بحقوقكم، تشكون من الحكَّام ولا تحركون لهذه الشكوى ساكنًا!.
يا قوم.. سامحكم الله، لا تظلموا الأقدار، وخافوا غيرة المنعم الجبّار، ألم يخلقكم أكفاءً أحرارًا طلقاء فاستعبدكم المستبدون فأطعتموهم؟! ماذا استفدتم من هذا الخضوع والخشوع لغير الله؟! وماذا تجنون من خفض الصوت ونكس الرأس؟! أليس منشأ هذا كلِّه هو ضعف ثقتكم بأنفسكم؟!.
يا قوم.. كان أجدادكم لا ينحنون إلا ركوعًا لله، وأنتم تسجدون لتقبيل أرجل المنعِمين ولو بلقمةٍ مغموسةٍ بدم إخوانكم!!، وأجدادكم ينامون في قبورهم مستوين أعزاء، وأنتم أحياء معوجَّة رقابكم أذلاّء! متى تستقيم قاماتكم وترتفع من الأرض إلى السماء أنظاركم؟! وتميل إلى التعالي نفوسكم؟! فيشعر أحدكم بوجوده في الوجود.
يا قوم.. إن كانت المظالم غلَّت أيديَكم حتى صغرت نفوسكم، وهانت عليكم هذه الحياة وأصبَحت لا تساوي عندكم شيئًا، وأمسيتم لا تبالون أتعيشون أم تموتون، فهلاّ أخبرتموني لماذا تحكِّمون فيكم الظالمين حتى في الموت؟! أليس لكم الخيار أن تموتوا كما تشاءون، لا كما يشاء الظالمون؟! هل سلب الاستبداد إرادتكم حتى في الموت؟! كلا والله.. إن أحب أحدٌ الموت فَلْيَمُتْ كما يحب، لئيمًا أو كريمًا، حتفًا أو شهيدًا، فإن كان الموت ولا بدَّ، فلماذا الجبن؟! وإن أردتم الموت، فليكن اليوم قبل الغد، ولكن بيدي لا بيد عمرو، أليس طعم الموت في أمرٍ صغيرٍ كطعم الموت في أمرٍ عظيم؟!.
يا قوم.. أناشدكم الله، ألست أقول حقًّا إذا قلتُ إنَّكم لا تحبُّون الموت، بل تنفرون منه، ولكنكم تجهلون الطريق فتهربون من الموت إلى الموت، ولو اهتديتم إلى السبيل لعلمتم أنَّ الهرب من الموت موتٌ، وطلب الموت حياة، ولعرفتم أنَّ الخوف من التعب تعبٌ، والإقدام على التعب راحةٌ؟!.
يا قوم.. قد ضيَّع دينكم ودنياكم حكامكم الظالمون، على حد تعبير أحمد مطر:
فوالينا أدام الله والينا!!
رآنا أمة وسطًا
فما أبقى لنا دنيا
ولا أبقى لنا دينا!!
أما بلغكم قول معلِّم الخير نبيكم الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: "لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليسلِّطنَّ الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم"، وقوله: "من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"؟! فأين أمركم ونهيكم؟! أم أنكم ألِفتم الثبات ثبات الأوتاد تحت المطارق، وألِفتم الانقياد ولو إلى المهالك، وألِفتم أن تعتبروا التَّصاغر أدبًا والتذلُّل لطفًا، والتملُّق فصاحةً، وترك الحقوق سماحةً، وقبول الإهانة تواضعًا، والرِّضا بالظُّلم طاعة، والإقدام تهوُّرًا، والحمية حماقة، وحريَّة القول وقاحة؟!.
كفاكم يا قوم رقودًا وخمولاً، ألا من مستجيب؟!!.