أرغمتنا الأحداث التاريخية المتوالية على العودة إلى هموم الوطن وقطع سلسلة أحاديث رمضان.
ولقد جاءت كارثة الانهيار الصخري على رءوس سكان الدويقة وطريقة تعامل النظام معها باستهانة وتعتيم ولا مبالاة لتضيف إلى الكارثة الأصلية كارثة أخطر شأنًا وأكثر إيلامًا، وهي كارثة الوطن الذي نعيش فيه؛ ماذا يتبقى منه إذا تبدد انتماء المصري؟!.
وكيف نُقنع الشعب بأهمية الإصلاح إذا كان مصير كل مواطن يتلخص في الغرق في عبَّارة الموت، أو الموت حرقًا في مسرح أو قطار أو الموت تحت ركام الصخور المنهارة وهو نائم؟!.
لقد نجح النظام الحاكم في سد أبواب الإصلاح والتغيير بحيث بات المصريون اليوم جميعًا في انتظار المجهول الذي قد يكون انفجارًا لا يُبقي ولا يذر، أو معجزةً تنقذ الجميع من هذا الوضع المأساوي.
حالة من الإحباط واليأس وعدم اليقين تسيطر على الجميع، حتى النخبة المثقفة والمفكرون السياسيون أصابهم ما أصاب الناس وفقدوا القدرة على التفكير الهادئ أو العمل المنظم أو قيادة الجماهير.
حتى الأصوات العالية المُنذِرة التي تخطَّت الحدود والسدود فقدت قدرتها على التنبيه ولم تعد تحذيراتها أو حتى لسعاتها تؤثر في أحد.
أصبحنا جميعًا أشبه بركَّاب قطار يسير دون قيادة وعلى غير قضبان يسير بلا بوصلة وبدون عنوان.
خلال السنوات الأخيرة توالت الكوارث بمختلف أشكالها على رءوس المصريين؛ فهناك حريق القطار الشهير الذي انتهى دون مساءلة أو محاسبة حقيقية، وتبعه حريق مسرح بني سويف الذي حصد- كسابقه- عشرات الأرواح، وبعد محاكمة جنائية كانت النتيجة هي انتظار الحريق القادم؛ لأن السياسة والوزراء لا يشعرون بأية مسئولية عن هذا الشعب الذي لم يشارك في اختيارهم ولم ينتخب من يستطيع محاسبتهم ومساءلتهم ويقدر على الخروج في منظمات مدنية وأهلية ليحتج على بقائهم في مناصبهم رغم فشلهم وإهمالهم وكسلهم؛ فالمهم هو الرضا السامي للسيد الرئيس الذي لم يعد صوت الشعب يصل إليه، وإذا وصلت إليه أنَّات المساكين فلا تؤثر عنده بشيء؛ لأنهم لا وزن لهم عنده في موازين القوى.
وعندما كان المصريون ينتظرون الحريق التالي كان عذابهم بالماء الذي غرقت فيه عبَّارة السلام وراح ضحيتها أكثر من ألف غريق أصبح قاع البحر أو بطون الحيتان هي مقابرهم، فبخل عليهم الوطن بالكفن وضنَّت أرضه بأن تكون لهم مدفنًا، وكأن الوطن يعاقبنا على تفريطنا في حق الأجيال القادمة بسكوتنا عن الظلم وانسحاقنا أمام الباطل وانحرافنا في تيارات الضياع وتفرقنا أمام الاستبداد.
ومع توالي الكوارث جاء حريق مجلس الشعب والشورى ليًظهر حجم كارثة الانصراف عن الوطن والشعور بالاغتراب، ومع ضخامة المعنى الذي يدل عليه الحريق والمكان الذي احترق والوثائق التي ضاعت والنتيجة التي كان يمكن أن تصاب بالألم، جاءت ردود فعل النظام بليدة وسخيفة وعقيمة، وصموا آذانهم عن سماع تعليقات المواطنين، وزينوا لأنفسهم ما تعودوا عليه من نفاق وكذَّبوا أعينهم وآذانهم، وصدق عليهم قول الحق تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (الحشر: من الآية 19) صدق الله العظيم.
وعندما حلت بنا وبالبسطاء كارثة انهيار صخور المقطم على رءوس النائمين بسبب الإهمال والتسبب واللا مبالاة وعدم احترام سنن الله في الأرض وضياع القانون واختفاء النظام، فإننا سرعان ما تذكرنا أنه ليس الانهيار الأول ولن يكون الأخير، وبتنا في انتظار بقية الكوارث بتبلد عجيب، وكان هم النظام الأول أن يمنع وسائل الأعلام عن نقل تفاصيل الفشل الذريع في إنقاذ الأحياء من تحت الأنقاض أو أنات وصرخات المصابين الذين يقضون نحبهم أمام أعيننا دون أن نتأثر، وأيضًا كان هم الأمن أن يمنع قوافل النجدة والإغاثة الإنسانية الأهلية من الوصول إلى أهالي الدويقة في انتظار وصول رجال النظام ومؤسساته البطيئة التي لم تتحرك إلا متأخرة جدًّا أو لم تتحرك أصلاً، ثم كان همه دفن الجميع تحت الأنقاض ليتخلص من أزمة ومشكلة لا يستطيع أن يتعامل معها كعادته دائمًا في دفن المشاكل والهروب إلى الأمام.
ويتساءل البعض: ما هي خطط المعارضة لمستقبل هذا الوطن بعيدًا عن التحليلات والشكوى والصرخات؟
والأجدر بالتساؤل هو: أين هي المعارضة؟.
المعارضة الجادة والحقيقية إما في زنانين السجون أو أمام نيابة أمن الدولة أو في انتظار مداهمات المباحث، والمعارضة الرسمية رضيت بدور "الكومبارس"، ولا أمل لها إلا في استمرار الرخصة القانونية وبقاء الحزب على قيد الحياة ولو منقسمًا.
والمعارضة المشاكسة تم تجميد أحزابها أو الاستيلاء عليها أو عدم السماح لها برخصة قانونية.
والشعب المصري مسكين وصبور ويقف موقف المتفرج على معارك المماليك الجدد ومغامرات رجال الأعمال كما يتفرج على مسلسلات رمضان.
ماذا يتبقى من الوطن؟ وإذا كانت طرق السياسية مسدودة، وإذا كان انتظار المجهول قد يطول.. فما هو العمل؟.
هذا هو سؤال اللحظة التاريخية التي يعيشها الآن.
لا شك أن إعادة توحيد المعارضة يساهم في بعث الأمل في نفوس الشعب، إلا أن الانتقال إلى العمل وسط الناس لإنقاذهم من موجة اليأس والإحباط وزرع الأمل في نفوسهم وتغيير النفوس وفق القانون الإلهي: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).. هو الطريق الصحيح ولو كان طويلاً.. العمل وسط الجماهير في المساجد والكنائس والمدارس والجامعات والمصانع والمزارع والمقاهي والشوارع هو طريق التغيير.
الخروج من الحجرات المغلقة والبيوت المقفلة إلى الفضاء الشعبي الواسع هو الأمل في إنقاذ الوطن.
إحياء قيم العمل والإخلاص، والانتماء والوقوف ضد الظلم، والشجاعة والنجدة، والمروءة والكرم، والتعاون على البر والتقوى وربط كل ذلك القيم الايجابية بالإسلام والدين هو المخرج من حالة السلبية للانتماء والإحباط.
محاربة التسيب والفساد والاستبداد والإهمال والأنانية والبخل والجبن من أولويات المرحلة الحالية.
إحياء قيم الدين الصحيحة والانتقال من التدين الشكلي الظاهري إلى الالتزام الحق بالدين هو طريقنا إلى التغيير والإصلاح.
﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يوسف: من الآية 21) صدق الله العظيم.