![]() |
|
د. محمد سعد |
وقد جاءت ثورة يوليو 1952م لتطيح بحكم أسرة محمد علي، وتؤسس لنظام جديد؛ يرتكن إلى شرعية جديدة هي شرعية الثورة التي جاءت أهدافها المعلنة مجسدةً لآمال الأمة في حينها بين القضاء على أشياء وإقامة أخرى، وكنا نرددها ونحن صغار: ثلاثة قضاء، وثلاثة إقامة!! فليراجعها المهتمون لنرى كم بقي منها!.
وكانت تحظى الحركة في بدايتها بتأييد شعبي كبير، حتى إن أكبر القوى الشعبية في الشارع المصري في ذلك الوقت، وهي الإخوان المسلمون، كانت أداةً رئيسيةً في تهيئة الشعب لقبول حركة الضباط آنذاك! وظل نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يرتكن إلى هذه الشرعية حتى كانت هزيمة يونيو 1967م لتتعرض شرعيته لاهتزاز كبير لم تفلح الأيام في مداواتها حتى وفاته.
ويجيء نظام جديد بقيادة الرئيس أنور السادات حاملاً وعوده بالتغيير وعودة الحريات وتحرير سيناء المحتلة، وكان لا بد له من شرعية تسنده بعد أن أطاح برموز النظام السابق فيما عُرِفَ وقتها بثورة التصحيح، وكأننا عشاق للثورات، والتي تم القضاء فيها على ما سماه السادات وقتها بمراكز القوى إلا أنه أي السادات كان يبحث عن شرعية حقيقية حتى كانت حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر 1973م وانتصارنا الجزئي فيها إلا أنها كانت طوق النجاة للنظام حينها؛ فبات مطمئنًا إلى شرعيته الجديدة التي تدعمه وتسنده أمام شعبه.
ومع مرور الوقت تتآكل الشرعية وخاصةً بعد عقد اتفاقية سلام شرعت لوجود الكيان الصهيوني في المنطقة، مع وجود معارضة شعبية كبيرة جعلت النظام يفقد أعصابه ويدخل في مواجهة مع جميع القوى السياسية، ولعل أوضح تجلياتها ظهر في أحداث سبتمبر 1981م؛ التي اعتَقل فيها الرئيس الراحل كل القيادات السياسية في مصر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، والتي أظهرت الأزمة النفسية التي كان يحياها النظام حينها.
وجاء يوم 6 أكتوبر 1981م؛ اليوم الذي يستند فيه النظام لشرعية النصر وشرعية أكتوبر ليعلن انتهاء الشرعية الثانية ونهاية حكم السادات.
ثم يأتي الرئيس مبارك إلى سدَّة الحكم ليستند إلى شرعية سلفه، والتي كان شريكًا فيها قائدًا للقوات الجوية، لتختفي تدريجيًّا صورة الرئيس السادات كقائد للحرب والسلام وقائد العبور، لتختزل حرب أكتوبر في الضربة الجوية، وكأن بقية القوات كانت "كومبارسًا" في تلك الحرب!!.
وكان الرئيس مبارك في بداية عهده يتحدث كثيرًا عن الكفن الذي بلا جيوب!! وكان يردِّد كثيرًا أن فترتين في الحكم كافيتان جدًّا!! إلا أن الأيام مرت سريعًا ومرت الفترة تلو الفترة، وأصبحت حرب أكتوبر المشرعنة لوجود النظام بعيدة جدًّا كأنها في الأحلام؛ فكان لا بد من شرعية جديدة يستحدثها النظام لتطيل في عمره، خاصةً أن الأنظمة كالبشر لها دورات حياة بل وممات أيضًا!!.
وكانت نصيحة الناصحين بالبحث عن شرعية شعبية تظهر النظام قويًّا يستند إلى الدستور والقانون وإعلاء دولة المؤسسات وسيادة القانون؛ عبر انتخابات حرة يشرف عليها القضاء النزيه وتتاح فيها الحرية أمام كل القوى السياسية، وكانت انتخابات 2000، وبتمثيل رمزي للإخوان بنجاح 17 عضوًا، ثم كانت الانتخابات الرئاسية بعد تعديل دستوري يتيح مشاركة أكثر من مرشح في عام 2005 والتي جاءت استجابةً لضغوط أمريكية متزايدة بالإصلاح السياسي في مصر، والتي في رأيي الشخصي مثلت شرخًا نفسيًّا للرئيس مبارك نفسه بعد حصوله في ظل هذا الدعم الحكومي اللا محدود وفي ظل غيبة منافسين أقوياء ليفوز الرئيس بالكاد بستة ملايين صوت لشعب تعداده ثمانون مليونًا بنسبة حضور لم تتعدَّ 20% على أحسن الأحوال؛ مما أعطى الفرصة للطعن على كل الانتخابات والاستفتاءات التي تمت في عهده بالتزوير الفاضح، ولعلَّ هذا مما أسرَّه الرئيس في نفسه ولم يبدِها وبدأت الحرب المعلنة على القضاة.
ثم تجيء الفاضحة انتخابات 2005 لتبيِّن للنظام أن شرعيته قد تآكلت تمامًا، ولم ينجح له إلا ثلث مرشحيه، وأن مرشحي الإخوان فازوا بنسبة تزيد على 70% رغم التجاوزات والتدخلات، ومن يومها أدرك النظام أن شرعيته هي في عصا الأمن التي تحميه هو ولا تحمي الشعب، وهنا يقع النظام في خطأ كبير؛ لأن من طالت عصاه فقد هيبته، وأن جنود وضباط الأمن مهما زادت أعدادهم وتضخم عتادهم لا يصنعون شعبيةً أو يدعمون شرعيةً، وربما انكسرت في أول مواجهة حقيقية، وهذا ما لا نريده، فنحن نريد الأمن قويًّا منضبطًا، ولاؤه للوطن، فالأنظمة زائلة مهما طالت السنون، والشعوب هي الباقية وهي التي ستحاسب المفسدين والمتلاعبين بإرادة الأمة.
وفي الختام نستطيع الآن أن نحدد من يملك الشرعية الحقيقية، وهي بلا شك شرعية الجماهير والحضور بينها، إنها الشرعية النابعة من الشعب، لا الشرعية النابعة من قوانين جائرة وتعديلات دستورية مآلها صناديق القمامة بعد أول انفراجة قادمة؛ لأن الشعب واضع الدساتير، ومن أجل خدمته ومصالحه توضع الدساتير.
فلنتقدم ولنعلن أننا أصحاب الشرعية الحقيقية في هذا البلد، ولا نخضع ولا نستسلم لمن يريد أن يضعنا في خانة المطاردين أو المدافعين عن أنفسنا، نحن أصحاب دور بات يستعصي على التغييب، نحن أصحاب أضخم مشروع إصلاحي لمصرنا الحبيبة نعيدها إلى مكان الريادة التي تستحقه في العالم العربي والإسلامي ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ﴾ (آل عمران: من الآية 139).
