لا تكف تركيا عن إدهاشنا‏؛‏ ليس فقط بما تقدمه من مسلسلاتٍ تليفزيونية تمتعت بشعبيةٍ جارفة، ولكن أيضًا بالنجاحات التي تحققها سياستها الخارجية التي تُلقن الجميع دروسًا يتعين استيعابها.

 

(1)‏

أغلب الظن أنها محض مصادفة أن تنتهي حلقات مسلسل (نور) التركي على شاشات التليفزيون‏,‏ في الوقت الذي تصدَّرت فيه أخبار السياسة التركية عناوين النشرات التي يبثها التليفزيون‏,‏ ولا أدري إن كان توقف المسلسل قبل بداية شهر رمضان‏,‏ أريد به إعطاء الفرصة للمسلسلات العربية خلال الشهر أم لا‏,‏ لكن الذي أعرفه أنهم في تركيا يجهِّزون الآن لغزو كبير للشاشات العربية‏,‏ من خلال أربعة مسلسلات على الأقل‏,‏ تقول الصحف التركية إن كلاًّ منها أقوى من الآخر؛ عناوينها- لمن يهمه الأمر- كالتالي‏:‏ وادي الذئاب- أوراق متساقطة- القصر المعلق- الربيع الثاني‏.

 

ويبدو أن ذلك التفوق التليفزيوني يتقدم في خطٍّ موازٍ مع التفوق الدبلوماسي؛‏ إذْ في حين أثبتت السياسة الخارجية التركية حضورًا قويًّا وفاعليةً مشهودةً في المنطقة‏,‏ فالملاحظ أننا في مصر مثلاً ظللنا طوال الأسبوعين الأخيرين منشغلين بثلاث قضايا هي‏:‏ حريق مجلس الشورى وقضية رجل الأعمال الكبير الذي اتُّهِمَ في جريمة قتل المطربة اللبنانية‏,‏ ومحادثات الفصائل الفلسطينية بالقاهرة المشكوك في نجاحها‏ (‏لاحقًا جاءت كارثة الدويقة‏).

 

في مقابل ذلك‏ كانت الدبلوماسية التركية تُحقق ثلاثة إنجازات إقليمية مهمة هي‏:‏ توقيع اتفاق اقتصادي وأمني غير مسبوق مع دول مجلس التعاون الخليجي- الاشتراك في القمة الرباعية بدمشق‏,‏ جنبًا إلى جنبٍ مع الرؤساء الثلاثة الفرنسي والسوري والقطري- زيارة تاريخية قام بها رئيس الجمهورية التركية لأرمينيا‏,‏ واستهدفت في العلن حضور مباراة لكرة القدم بين البلدين‏,‏ لكنها استهدفت في الحقيقة احتواء جراح عميقة لم تندمل منذ أكثر من تسعين عامًا.

 

نُخطئ إذا اختزلنا الأداء التركي في هذه الإشارات التي هي مجرد عناوين تتابعت خلال الأيام القليلة الماضية‏، واستدعاؤها يُسلِّط الضوء على مجال حركة الدبلوماسية التركية‏,‏ فضلاً عن أنه يُتيح لنا فرصة اكتشاف حالة الانكفاء التي يعيش فيها العالم العربي‏,‏ في الوقت الذي تلتقط فيه الإشارات الدالة على أن ثمةَ تحركاتٍ من حولنا تستوجب الانتباه وتستدعي الحضور‏، من ذلك مثلاً ما نُقل على لسان الرئيس الفرنسي ساركوزي في أثناء القمة الرباعية التي عُقدت في دمشق ‏(يوم الخميس ‏9/4)‏ أن دمشق هي بوابة فرنسا إلى العالم العربي ‏(صحيفة الثورة السورية قالت إنها بوابة الغرب إلى العرب‏)،‏ كما أن باريس هي بوابة سوريا إلى الغرب.

 

الأداء التركي يتجاوز بكثيرٍ الإشارات التي ذكرتها‏,‏ وإذا كنتُ قد ألمحت إلى اكتساح المسلسلات التليفزيونية‏,‏ فإننا لا نستطيع أن نتجاهل الإنجازات الاقتصادية الكبيرة التي حققتها تركيا خلال السنوات الخمس الأخيرة ‏(منذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة في عام‏ 2002م)‏؛ يكفي في التدليل على ذلك أن نعلم أن حجم التبادل التجاري بين تركيا والعالم العربي ارتفع خلال تلك الفترة من ‏4‏ مليارات إلى ما يزيد عن ‏30‏ مليار دولار‏ (بمعدل ثمانية أضعاف تقريبًا‏)، وللعلم فإنهم يعدون الآن للمعرض الدولي الكبير ‏(الثاني عشر‏)‏ الذي تُنظمه في الشهر المقبل جمعية رجال الأعمال الأتراك ‏(موصياد‏)‏ الذي ستشارك فيه ‏61‏ دولةً أغلبها من العالم العربي والإسلامي‏.‏

 

(2)

التحرك الدبلوماسي التركي الذي أثار الانتباه في الأيام الأخيرة ليس حماسًا طارئًا ولا هو رد فعلٍ لضغوط معينة‏,‏ ولكنه حلقة في مسلسل مدروس‏,‏ انطلق من رؤيةٍ إستراتيجيةٍ واضحةِ المعالم‏,‏ استهدفت إخراج تركيا من التصنيف الذي اعتبرها جسرًا بين الشرق والغرب‏,‏ ووضعها في موقع آخر أكثر لياقةً وتقدمًا‏,‏ بحيث تصبح دولةً لها دورها الفاعل في منطقة الشرق الأوسط‏,‏ فتغدو قاطرةً تجر غيرها وراءها لا مجرد جسر يعبر عليه الآخرون.

 

لقد أدرك العقل السياسي في ذلك البلد الكبير أن تركيا لا تستطيع أن تلعب دور القاطرة ما دامت هناك مشكلة وطنية تؤرِّقها‏,‏ وهذه المشكلة تتمثل في الدور الذي كان يقوم به حزب العمال الكردي بدعوته إلى انفصال الأكراد‏,‏ وإقامة دولة مستقلة لهم في الجنوب الشرقي للبلاد‏.

 

وللعلم فإن الأكراد في تركيا يمثلون ثلث السكان؛‏ أي أن عددهم ما بين‏20‏ و‏25‏ مليون نسمة، وينتشرون في مناطق وفيرة بمياهها وزراعتها‏,‏ وثمة إجماع تركي على أن بلادهم يمكن أن تخوض حربًا تستمر مائة عام للحفاظ على وحدة بلادهم.

 

من ناحيةٍ ثانية فإن العقل السياسي التركي أدرك أن بلادهم لا تستطيع أن تقوم بدور القاطرة وهي محاطة بطوقٍ من الجيران الأعداء الذين كانوا- حتى قبل عقد مضى- يتمثلون في سوريا وإيران واليونان وبلغاريا وبالطبع أرمينيا التي اتهمت العثمانيين بمحاولة إبادتهم‏,‏ خلال عدة مذابح يقولون إنها نُصبت لهم.

 

ماذا فعلت تركيا لتجاوز هاتين العقبتين؟ عند بعض الباحثين فإن التهديد الأمني المتمثل في الدعوة الانفصالية التي يتبناها حزب العمال الكردستاني هو الذي دفع أنقرة إلى توقيع اتفاقية التعاون والتدريب العسكري مع الكيان الصهيوني في عام ‏1996م (د‏.‏ محمد نور الدين- السياسة الدولية- يوليو ‏2007م).

 

ومعروف أن حساسية تركيا إزاء الموضوع كانت وراء حشد قواتها على الحدود السورية والتهديد بغزو دمشق في عام ‏1998م,‏ لكن أنقرة نجحت بعد ذلك في عقد اتفاق أمني مع سوريا في العام ذاته‏، وذهب التطبيع بين البلدين إلى مدى بعيد‏,‏ كما ذكرنا في مقالٍ سابق‏,‏ وبرزت المشكلة ذاتها مع العراق بسبب انتقال النشاط الكردي إلى شماله‏, ولكن أنقرة نجحت في التفاهم مع حكومة المالكي على نحو مكَّنها من كسبها إلى جانبها في صراعها ضد حزب العمال الكردستاني‏,‏ وبنفس الكفاءة السياسية استطاعوا أن يصلوا إلى تفاهم مع إيران واليونان وبلغاريا، وصولاً إلى أرمينيا التي زارها السيد عبد الله جول في مستهل الأسبوع الحالي.

 

حين أتمت مصالحة جيرانها فإنها حقَّقت هدفين في الوقت نفسه؛ أحدهما تمهيد الطريق أمام أنقرة لكي تقوم بدور القاطرة، والثاني والأهم هو قطع الطريق على التهديدات الأمنية التي كان يمثلها الحزب الكردستاني‏، وعزز النجاح التركي في هذا الجانب الأخير أن حكومة أنقرة شرعت في تنفيذ مشروعين اقتصاديين كبيرين للنهوض بالمناطق الكردية؛ الأمر الذي أدَّى إلى تهميش حضور حزب العمال وزيادة أصوات حزب العدالة والتنمية بين الأكراد.

 

يُسجّل الدكتور إبراهيم غانم في بحثه الذي نشرته مجلة (السياسة الدولية) عام ‏2007م‏ الذي سبقت الإشارة إليه أن تركيا بدأت تتجه صوب العالم العربي والإسلامي قرب نهاية القرن الماضي بعد مشاركة حزب الرفاه الإسلامي في حكومةٍ ائتلافيةٍ مع حزب الطريق المستقيم بزعامة تانسو تشيللر.

 

ويُذكَر أن التحول الأساسي حدث مع وصول حزب العدالة والتنمية إلي السلطة عام ‏2002م‏ الذي ذهب إلى أبعد في محاولة مد الجسور مع العالم العربي والإسلامي إلى حدِّ اقتراح ضم تركيا إلى جامعة الدول العربية كعضو مراقب‏، ومن الملاحظات المهمة التي سجَّلها هذا السياق‏,‏ أنه كلما كان التوجه في تركيا ديمقراطيًّا ومتصالحًا مع الهوية الإسلامية للشعب كان أقرب إلى التفاهم والتواصل مع العالم العربي.

 

‏(3)‏

ثمة اتفاق بين الباحثين المعنيين بالشأن التركي على أن السياسة الخارجية لحكومة حزب العدالة والتنمية متأثرة إلى حدٍّ كبيرٍ بما أورده أستاذ العلوم السياسة البروفيسور أحمد داود أوغلو في كتابه الصادر بالتركية عام ‏2001م‏ بعنوان (عمق الإستراتيجية‏..‏ وضع تركيا في السياسة الدولية)، وهو الرجل الذي اختاره رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ليكون كبيرَ مستشاريه‏، وقد أُتيح لي أن أستمع إلى عرضه لمعالم الإستراتيجية التي تلتزم بها حكومة أنقرة في أثناء اجتماعات منتدى المشرق الذي عُقِدَ بالدوحة، وكان أحد المتحدثين فيه‏؛ إذ حدد تلك المعالم في خمس ركائز هي:

*‏ تعزيز الحريات في الداخل‏,‏ والمواجهة الحازمة للأخطار الأمنية التي تُهدد البلاد بما يُؤمِّن استقرار الجبهة الداخلية.

* ‏تصفير المشكلات؛ بمعنى تصفيتها إلى درجة الصفر‏,‏ بما ينزع فتيل التوتر في كل المناطق المحيطة بتركيا.

*‏ إخراج تركيا من دائرة المحاور والاستقطابات؛ بحيث تنأى بنفسها عن أن تكون طرفًا؛ الأمر الذي يمكنها من أن تلعب دور الحكم أي الوسيط‏؛‏ إذ باحتفاظها بمسافة واحدة إزاء مختلف الأطراف‏ فإن ذلك يحوِّلها إلى كيان مركز قادر على أن يُدير علاقاته مع الجميع دون أن يُحسب على طرفٍ ضد آخر ‏(هذا ما حدث إبَّان الأزمة بين روسيا وجورجيا‏).

* تنشيط دور تركيا في مسار العلاقات بين الشرق والغرب كقوة فاعلة ومبادرة لا كجسرٍ بين الطرفين‏.

*‏ انتهاج دبلوماسية نشيطة ذات نفسٍ طويل‏,‏ تتمثل في الالتقاء مع أكبر عددٍ من المسئولين الدوليين على مختلف المستويات‏,‏ مع تفعيل حضور تركيا في مختلف المؤسسات والتنظيمات الدولية بما يتجاوز عضوية حلف الأطلنطي‏.

*‏ الاهتمام بالعمق الجغرافي والتاريخي لتركيا المتمثل في الدائرتين العربية والإسلامية‏,‏ وفي هذا الصدد ذكر الدكتور أوغلو أن المواطن التركي في غازي عيتاب مثلاً يجد نفسه أقرب إلى الفرد السوري في حلب منه إلى مواطنه التركي في إستانبول‏,‏ واعتبر ذلك نموذجًا للكثير من المشتركات الوجدانية واللغوية بين الأتراك وجيرانهم التي يتعين استثمارها لتحقيق المصالح المشتركة‏.‏

 

(4)‏

لا يستطيع المرء أن يمنع نفسه من المقارنة بين أداء الدبلوماسية التركية ونظيرتها في العالم العربي؛ فأنت في تركيا تطل على مجتمعٍ قوي ترسَّخت فيه الديمقراطية إلى حدٍّ بعيدٍ، وصارت له مؤسساته الفاعلة التي تتحرك وَفق إستراتيجية واضحة المعالم والأهداف‏,‏ وهذه الإستراتيجية اختارت لتركيا أن تكون دولةً محوريةً ومركزيةً في المنطقة‏،‏ وهذا الاختيار كان له استحقاقاته التي حرصت الحكومة على الوفاء بها‏,‏ على الصعيدين الداخلي والخارجي‏,‏ وهو ما دفعها إلى التصرف كدولةٍ كبيرةٍ استعلت فوق المحاور والخصومات والمرارات ونجحت في تسوية خلافاتها والتصالح مع محيطها الإستراتيجي.

 

المشهد على الساحة العربية على النقيض من كل ذلك‏,‏ فحالة الديمقراطية كما تعلم‏، من ثم فإن الإرادة المستقلة المستمدة من التأييد الشعبي ليست محققة‏، كما أن الرؤية الإستراتيجية غائبة بحيث تداخلت الحدود بين المصالح العليا والمكائد الصغيرة وبين المباح وغير المباح‏,‏ والتبس الأمر على الناس بحيث لم يعودوا يميزون بين العدو والشقيق‏,‏ في الوقت ذاته غرق العالم العربي في خلافاته التي عمَّقت الاستقطاب فيه‏,‏ على نحو شغل دوله بصراعاتها عن أمنها وبحاضرها عن مستقبلها‏.

 

وكان من الطبيعي بعد كل ذلك أن يصبح الفراغ عنوانًا رئيسيًّا للحالة العربية؛,‏ الأمر الذي أغرى قوى الهيمنة بمحاولة بسط نفوذها على الجميع‏,‏ كما أغرى القوى المحيطة بالسعي لملء ذلك الفراغ‏,‏ وهذا ما فعلته كلٌّ من تركيا وإيران‏,‏ ولا لوم عليهما لأنك حينما تغيب عن ساحتك فلا تسأل لماذا تقدَّم الآخرون لملئها؟ لأن السؤال الأهم هو‏:‏ لماذا تركت موقعك وتنكَّرت لمسئولياتك عنه؟

-----------

* الأهرام 9/9/2008م.