هل يمكننا أن نُشبِّه دون مبالغةٍ ما جرى في حي الدويقة العشوائي على أطراف مدينة القاهرة يوم 6/9 سنة 2008م والذي لقي فيه العشرات من المواطنين البسطاء مصرعهم وأُصيب المئات إثر سقوط جزءٍ كبيرٍ من جبل المقطم على رءوس المواطنين؛ بما جرى في أحداث 11/9 سنة 2001م، إثر عملية الهجوم بالطائرات على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن؟!

 

سيقول البعض: إن الكارثةَ المروعةَ في حي الدويقة العشوائي أمرٌ توقَّعه البعض، ويتكرر على برِّ مصر المحروسة، ولا يمكن بمقارنته بأضخم هجوم معاد تم داخل الأراضي منذ قيام الاتحاد الأمريكي، ويصنف إلى جانب أحداث كبرى في التاريخ، فيما يضيف آخرون أن الحكومة المصرية لم تتهم تنظيم القاعدة حتى الآن بالتسبب في الكارثة، فكيف سيمكننا أن نعقد مقارنةً بين الحدثين إذن؟!

 

ولكن هناك أوجه شبه عديدة بين الحدثين؛ لعل أولها يتمثل في انهيار عقارات وبناءات وسقوط ضحايا أبرياء في الكارثتين؛ حيث أدى هجوم الطائرتين على برجي مركز التجارة العالمي إلى اشتعال الحرائق وتصاعد أعمدة كثيفة من الدخان، وأخذت كتل الحطام تتساقط في الشوارع المجاورة وفي الساحة؛ مما منع رجال الإطفاء من التدخل، وهو نفس ما حدث مع سقوط الكتل الصخرية على بيوت الفقراء في بطن جبل المقطم، والتي خلَّفت سُحبًا من الغبار والدخان غطَّت جانبًا كبيرًا من المكان وأغلقت الشوارع الضيقة؛ مما أدى إلى حصار الساكنين تحت الأنقاض، ولم تستطع جهات الإنقاذ الدخول إلى المكان عقب الكارثة مباشرةً.

 

وفيما يتعلق بالضحايا؛ ففي أحداث سبتمبر الشهيرة كانت أعدادهم مهولة بالآلاف والمعروف أن الغربيين يقدسون الكرامة الإنسانية وحق الإنسان في الحياة، لكننا لا يمكن أن نقول إن العدد يُمثل معيارًا فارقًا في القضية، وإنما المعيار هو احترام حق الإنسان في الحياة وتعزيز كرامته الإنسانية، وهو ما كان غائبًا في أحداث سبتمبر المصرية؛ حيث تتكرر الانهيارات ويقضي البشر دون أن نتعلم كيف نمنع تكرارها!.

 

أما وجه الشبه الثاني فهو أن الحدثين لم يكونا متوقَّعين بدرجاتٍ مختلفة؛ حيث كانت الجهات التنفيذية في القاهرة تحاول دائمًا إزالة الصخور الذائبة بفعل مياه المجاري والصرف الصحي ولكنها لم تكن تتوقع انهيارات بهذا الشكل، ولكن الملاحظ أن الحكومة الأمريكية استغلت الحدث على نفس المنوال ذاته الذي استغلته إبَّان غزو العراق للكويت سنة 1990م، فدمرت أهم القوى العربية في المنطقة، وأعادت تشكيل التحالفات في منطقة الشرق الأوسط؛ تمهيدًا لهيمنةٍ دائمة على منطقتنا، أما الحكومة المصرية فيمكننا أن نتوقع الخطوات التي تقوم بها نظرًا لتكرار مثل هذه الأزمات؛ مما يعني أنها لا تستثمر هذه المحن وتحولها إلى إنجازات تحسب لها على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي وتؤدي بلا شك إلى تعزيز الشرعية السياسية.

 

أما وجه الشبه الثالث فيتمثل في عدم التناظر المفرط بين وسيلة التنفيذ ونتائج الأحداث؛ ففي أحداث سبتمبر الأمريكية استخدم المهاجمون سكاكين عادية لخطف طائرات محملة بالركاب لتنفيذ عملية الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي، ونتج عن ذلك مقدار هائل من الدمار، سواءٌ من ناحية عدد القتلى أو الخسائر المادية.

 

أما في أحداث سبتمبر المصرية فكانت الوسيلة هي مياه الصرف الصحي الذي عجزت الأجهزة الحكومية عن إيجاد حلٍّ لها، وأدت إلى إحداث تشققاتٍ في جبل المقطم تُهدد أحياءً عشوائيةً عديدة، وأدَّت في تلك الأحداث إلى سقوط كتل صخرية بالأطنان على البيوت والعشش فقتلت العشرات على الفور وخلَّفت المئات تحت الأنقاض!.

 

ومن أوجه الشبه أيضًا بين الحدثين التعاطي الحكومي مع الكارثة المروعة؛ حيث خرج المسئولون المصريون من أبراجهم العاجية مثلما خرج نظراؤهم الأمريكيون من الأماكن التي كانوا يختبئون فيها لتقديم وعود بحلٍّ جذري للقضية.

 

وفيما شكَّلت الحكومة الأمريكية لجنةً من مختلف الخبراء لدراسة ما جرى، خلصت إلى أسباب الكارثة، منها: فشل في الرؤية ويعني عدم الفهم لخطورة القاعدة، نقص في الإمكانيات وفشل المؤسسات الأمنية، والفشل الإداري المتمثل في عدم تعاون الأجهزة الأمنية والعسكرية وتنسيق جهودها، فإن الحكومة المصرية لم تعلن أنها ستدرس الأسباب وإنما وجَّهت توصياتها لمساعدة المواطنين المتضررين، وأعلنت عن عقد اجتماعٍ طارئ لوضع خطة إستراتيجية للقضاء على العشوائيات، وهو ما يطرح السؤال: كيف سنعالج القضية دون معرفة أسبابها؟!

 

كذلك من أوجه الشبه أن الحكومتين المصرية والأمريكية لا تنظران إلى الحدث من زاوية أن تزايد الفقر واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء يؤدي إلى انتشار الظروف الظالمة والمعيشية القاسية في حقِّ الملايين من الناس ويُوفِّر في الوقت نفسه بيئات مُولِّدة للعنف والبلطجة والتطرف.. إلخ، وهو ما نجده لدى الوزراء والنواب من حزب الأغلبية الذين لا يراهم الناس في حي الدويقة سوى في رمضان لتوزيع الشنط الرمضانية، متناسين المثل الصيني الشهير "لا تُعطني سمكةً ولكن علمني كيف أصطاد"!، أما نظراؤهم الأمريكيون فقد أنفقوا مئات المليارات على الحروب العلنية والسرية في عالمنا الإسلامي، وكم كانت هذه الأموال تكفي لبناء آلاف المدارس والمستشفيات وخلق فرص عمل للشباب وإطعام الفقراء!.

 

هذا عن أوجه الشبه.. فماذا عن أوجه الاختلاف؟

لعل وجه الاختلاف البارز يتمثل في مدى قدرة الإعلام والدولة والمجتمع المدني على العمل معًا في مواجهة الأزمة وتخطيها، وفي الحالة المصرية نجد العجب العجاب! فالإعلام الحكومي ينصرف دائمًا لتغطية تصريحات المسئولين وتحويل الفشل إلى إنجازاتٍ والهجوم على الفضائيات الإخبارية التي تنقل الأحداث بحيادية وموضعية ومن مختلف أبعادها، وفي المقابل نجد تطرفًا مماثلاً في بعض الصحف المعارضة أو المستقلة والتي لا تجد حسنةً واحدةً في تصريحات وممارسات هؤلاء المسئولين الحكوميين، إضافةً إلى أنه لا نجد تعاونًا واضحًا بين الدولة والمجتمع المدني؛ نظرًا لأن الحكومة قد تتصور أنها قادرة على معالجة الأزمة بمفردها، كما أن قبول مشاركة المجتمع المدني قد يسمح بدخول أطرافٍ غير مرغوب فيهم على الخط!.

 

أما في الحالة الأمريكية فقد توحَّد الجميع ونسوا اختلافاتهم من أجل تخطي الأزمة وتعاون الجميع، بغض النظر عن دينه ولونه وعرقه واتجاهه الفكري والأيديولوجي، ووقف الجميع صفًّا واحدًا من أجل بلادهم والصالح العام، ولم يسأل أحد الآخر وقتذاك عن انتمائه أو هل هو مع أو ضد؟! صحيح أن اليمينيين المتطرفين قد ركبوا الموجةَ وقادوا الجميع لتنفيذ أجندتهم في العالم الإسلامي وخوض حرب دينية كونية، لكن تظل الدلالة الأهم هي القدرة على العمل في الأزمات بين الدولة والمجتمع المدني دون استبعادِ أي طرف.

 

وأخيرًا.. هناك وجه اختلاف آخر يرتبط بسابقه، وهو أن الحكومة الأمريكية بحثت عن أهل الخبرة والكفاءة لبحث أسباب الأحداث، ولم تختر مَن تشاء وتقول لهم اجلسوا أربعين يومًا في أحد المصايف الرائعة لتتناولوا الفستق والسوداني لكي تنسوا كل خبرتكم العلمية والبحثية وتخرجوا بنتائج بسيطة لا تُحرج القيادة السياسية وتشوِّه صورة أمريكا أمام العالم!.

 

أما في مصر المحروسة فإن استبعاد أهل الكفاءة، وخصوصًا من الإسلاميين والفقراء، هو ملف مخزٍ ومحزن، فكثيرًا ما يُستبعد البعضُ نتيجةً للرفض الأمني ويُستبعَد الآخرون بحجة أنهم غير لائقين اجتماعيًّا.. (أتذكر زميلي خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الذي تقدَّم لاختبارات السلك التجاري، وبعد نجاحه كتبت الجهات الأمنية في استمارته أنه غير لائقٍ اجتماعيًّا، فذهب إلى النيل وألقى بنفسه في النهر.. ومات!!).

 

والخلاصة.. إن غياب أهل الكفاءة وخصوصًا من المراكز البحثية الوطنية يعد أحد الأسباب الرئيسية فيما نشهده من كوارث، كما أن تقديم أهل الثقة على أهل الخبرة يعني الاختصام مع فكرة المواطنة؛ حيث لا يتميز الإنسان المصري بخبرته وملكاته إن لم يكن محل الثقة ويتميز مَن ينال الثقة وإن غابت عنه أية خبرات!.

---------

* صحفي وباحث.