اضطر رئيس وزراء إيطاليا بيرلسكوني إلى تلبية الطلبات الليبية كاملةً طوال شهري يوليو وأغسطس 2008م؛ حيث طرد وزيرًا في حكومته بسبب سلوكه المهين تجاه رسولنا الكريم مع اعتذار رسمي من الحكومة الإيطالية، ثم اعتذار بيرلسكوني عن سنوات الاستعمار لليبيا وسلوك الدولة الإيطالية، واتفقت إيطاليا وليبيا على أن تدفع إيطاليا خمسة مليارات من الدولارات عن هذه الفترة.

 

ورغم أن وزارة الخارجية الفرنسية حاولت أن تنكر أن هذه سابقة يمكن تطبيقها على كل الدول الاستعمارية الأخرى، وحصرتها في سياق علاقات ثنائية خاصة بين إيطاليا وليبيا، وأكدت أن هذه المليارات في الواقع ليست تعويضًا وإنما هي في إطار عملية استثمار اقتصادي واسعة في ليبيا؛ إلا أنه يهمنا من هذه الوقعة أن إثارة فكرة التعويض قبل إدانة الاستعمار جعلت الفكرة ضعيفة في البداية، فأصبح الإقرار بالحق في التعويض اعترافًا بعدم مشروعية الاستعمار وسياساته، وبأنه سبَّب أضرارًا مادية وسياسية ونفسية توجب التعويض.

 

ويُذكَر أن حركة تصفية الاستعمار كانت تعد انقلابًا على نظرية الاستعمار التي روَّج لها مفكرون وفلاسفة وفقهاء؛ اعتبروا أن استعمار الرجل الأبيض غير الأبيض مهمةٌ مقدسةٌ كمهام الأنبياء؛ تهدف إلى إخراج غير البيض من الظلمات إلى النور.. ظلمات التخلف والجهل إلى أنوار العلم والمدنية، ويترتب على ذلك أنَّ تخليَ الرجل الأبيض عن هذه المهمة المقدسة إخلال أخلاقي وديني؛ فصار الاستعمار فرضًا، ولقي هذا المعنى الزائف هوى لدى كثيرين، معنى ذلك أن مقاومة الاستعمار عمل غير مشروع؛ ولذلك نشأ فقه متكامل يضع ضوابط للسلوك الاستعماري وللاستيلاء على الأقاليم والحيازة ووضع اليد.

 

يُذكر أيضًا أن الفقه السوفيتي قام بدور ملحوظ في تأكيد عدم مشروعية نظرية الاستعمار، ثم تبعه فقه العالم الثالث طوال فترة الحرب الباردة، واللافت أنه رغم أن فرنسا لا تعتبر ما حدث من إيطاليا من تجاوب مفاجئ وسخي على خلاف المتوقع دائمًا، شكَّل سابقةً في مجال التعويض، إلا أن الرئيس ساركوزي خلال زيارته للجزائر 2007م حرص على تأكيد الطابع الظالم واللا أخلاقي للاستعمار؛ معنى ذلك وبصرف النظر عن التعويض، أن المبدأ الأساسي هو أن الاستعمار اعتداءٌ على حقوق الشعوب وحرياتها، ومحاولةٌ لتسويغ استخدام القوة، ولقد زال عصر الاستعمار منذ اختفائه التدريجي، لكنه ترك ذيلاً تاريخيًّا هو المشروع الصهيوني الإحلالي.

 

وما دام الاستعمار ظلمًا وعدوانًا وقهرًا لحياة الشعوب، فإن تجريم الصهيونية يصبح نتيجةً منطقيةً، وقد تم بالفعل تجريم الصهيونية ومشابهتها بالعنصرية؛ فأصبح تجريم العنصرية ينسحب على الصهيونية؛ الأمر الذي أكده قرار الجمعية العامة عام 1975م، وهو العام الذهبي للعالم الثالث، لكن واشنطن ألغت القرار بعد مأساة العراق والكويت عام 1991م، بل صارت الصهيونية بطل الساحة بعد أن تسابق المتحدثون والكتَّاب على الإشادة بالصهيونية، ثم قرر الكونجرس الأمريكي أن المساس بالصهيونية يعدُّ معاداةً للسامية؛ دفاعًا عن كل تجاوزات الكيان الصهيوني، كما أصبحت صور معاداة السامية لا حدود لها، وضاع الفارق بين معاداة السامية، أي امتهان اليهودية كدين، ونقد سياسات الكيان الصهيوني؛ فالصهيونية حركة استعمارية عنصرية، تتخفَّى تحت مسمى القومية اليهودية أو المشروع السياسي لليهود.

 

والغريب أن الاستعمار التقليدي قد رحل ولكنه يشكِّل حمايةً للمشروع الصهيوني الذي يُعدُّ أسوأ أصناف الاستعمار؛ لأنه يريد أن يحل محلَّ الشعب الفلسطيني في وطنه.

 

وقد صح أن هذا المشروع يقوم على الإبادة ووضع اليد وابتداع الأكاذيب القانونية لتبرير تصرفاته؛ ولذلك فهو أعلى درجات الاستعمار على غرار النظام الرأسمالي الذي وصفه لينين في كتاب بهذا المعنى: "الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية"، ونحن نقول إن الصهيونية أعلى مراحل الاستعمار، رغم أن الصهيونية تحاول أن تعزل نفسها عن الحركة الاستعمارية وتعمد إلى إدانتها حتى تبعد الصلة العضوية بين الصهيونية والاستعمار.

 

لقد قام الكيان الصهيوني على نفس المنطق الاستعماري، وهو أنه ادعى أنه استولى على أرض لا مالك لها، وأنه الأولى بإعمارها.

 

ونلاحظ أن الصهيونية أسوأ من الاستعمار التقليدي في أن الاستعمار حقبة وانتهت وتحوَّلت إلى شكل جديد من أشكال الهيمنة باسم الإمبريالية، أما الصهيونية فتريد الاستيطان والحلول محل الشعب الفلسطيني، وهو أمر غريب في التاريخ.

 

إن إدانة الاستعمار هي الخطوة الأولى نحو تصفية الصهيونية، ونأمل أن يتم تجريم الصهيونية مرةً أخرى بشكل رسمي في المنظمات الدولية وغيرها.