يستغرب المرء من تلك الحملة غير المبررة من قِبَل الأجهزة الأمنية في مطاردة واختطاف العديد من قيادات الإخوان المسلمين، والغريب أنها تأتي في استقبال الضيف الكريم الذي تُفتح فيه أبوابُ الجنة وتتزيَّن فيه لاستقبال الصائمين الطائعين من أمة خير المرسلين.

 

إلا أن الدهشة والاستغراب سرعان ما تزول وأنت تراقب ذلك المشهد الفوضوي، الذي تحياه مصر في هذه الأيام؛ فنحن أمام نظام فشل في كل المجالات، بدايةً من كوب الماء ورغيف العيش، وانتهاءً بدعاية فجة لمشروع نووي لن يتحقق، مرورًا بأصفار الرياضة في كأس العالم وبكين، وانتهاءً بهزائمنا السياسية في محيطنا العربي والإقليمي، وتراجع دورنا في المنطقة لنصبح مجرد وكيل لتمرير المصالح الأمريكية والصهيونية، وأصبحت الشقيقة الكبرى لا تملك النزاهة والحيدة لتتوسط بين فريقي كرة من الأشبال في أحد "حواري" مقديشيو.

 

والمتابع لكل هذا الفشل وهذه الإخفاقات يتوقع من النظام تهدئةً للأجواء وبحثًا عن مواطن الخلل لعلاجها واحتواءً لسخط الناس وغضبهم المرشح للانفجار في أية لحظة، وهم يرون أحد أعمدة النظام الحاكم متهمًا بدفع ثلاثة ملايين دولار لقتل فنانة لبنانية، فكم من الملايين أنفق عليها في حياتها؟!

 

إلا أن المخيف في الموضوع أن أجهزة الدولة تتعامل مع كل هذه الملفات وكأن شيئًا لم يكن، بل وتحيلها إلى جهات ليست من اختصاصها أو أهلاً لحلها؛ فتزداد الأمور سوءًا، ويكاد القدر المكتوم أن ينفجر دون سابق إنذار.

 

ولإخواننا القائمين على المؤسسة الأمنية نقول:

من هنا وجب علينا التحذير من أن تحميل الأمن ملفات السياسة والتعليم والأوقاف والنوادي والمساجد والجامعات أضرَّ بأمن المواطن المصري، وانتشرت جرائم لم تكن معهودةً في مجتمعنا؛ مثل السرقة بالإكراه والتجارة العلنية للمخدّرات وجرائم النصب والاغتصاب وهتك الأعراض.

 

قد يظن ظان أننا نريد تقليص مزايا وسلطات طالما تمتعت بها القوى الأمنية لفترات طويلة، والعكس هو الصحيح؛ فنحن نريد لها أن تكون قويةً وقادرةً على ضبط الجريمة وإرهاب المجرمين وتهيئة الأجواء الصحية لعملية تطور ديمقراطي سلمي؛ يكون الأمن فيها هو الحكم بين الخصوم، مهيئًا أرض الملعب لمبارزات السياسيين؛ لأن الحاكم اليوم سيكون غدًا في مقاعد الجماهير، وسيأتي غيره ليتسلم السلطة بما فيها سلطة الأمن.

 

لذلك على العاقلين في المؤسسات الأمنية أن يكونوا بمنأى عن هذه الصراعات السياسية، ويدركوا خطورة دورهم المنوط بهم للعبور بمصر إلى برّ الأمان في ظل هذه الأوضاع المتفجِّرة وأوقات التغيير القادم في مصر عن قريب، ويكونوا على يقين بأن الإخوان المسلمين هم عامل تهدئة لا تهييج ولا ثورة، وأنهم القوة الأكثر قدرةً على ضبط حركة الشارع المصري في وقت المصائب والمحن؛ لأننا قوة إصلاح وتغيير جذري لا فوقيٌّ، نربي شعبنا، ونمتِّن صفَّنا، ولا نستعجل الخطوات، فتغييرنا متدرِّج لا فوري، لا نؤمن بالثورة طريقًا للتغيير، بل باختيار الشعب، سنحكمه إن أراد، فإصلاحنا المنشود دائم لا وقتي.

 

ولا نريد للخصومة أن تتحول إلى خصومة شخصية أو الخصومة الثأرية التي يتم فيها تخريب الممتلكات وترويع الأهل والأبناء، فلا طائل من وراء ذلك إلا إيغار الصدور وعداوات لا تنتهي.

 

وللإخوان المسلمين حبات القلوب أقول:

أنتم تدركون حقيقة المعركة وحجم التحديات؛ فالرؤية عندنا واضحة، نعرف أهدافنا، وطريقنا الموصلة إليها، ونعرف ميدان المعركة الحقيقي، ميدان التربية والتكوين والتمتين للصف والبنيان، لا نتورَّط في اتخاذ أدوات أو أجهزة أعداء لنا أو أهداف من غير العدو الحقيقي، رأس الأفعى.

 

أيها الإخوان..

لا تنزعجوا أو تخافوا؛ فإنما هي حبالهم وعصيُّهم يخيَّل إليك من سحرهم أنها تسعى.. ألقوا ما في أيمانكم تلقف ما صنعوا.. إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى.

 

أحبابي.. الدورة دورتنا، فلهم في كل يوم صنم يسقط وينهار ويحترق بنيان.

ولنا في كل ساعة قصر يعلو وفارس يدخل الميدان.