محمد السروجي
مرةً أخرى نعود إلى المربع الأول بين الإخوة الفرقاء "فتح وحماس".. مربع التلاسُن والخصومة والعداء؛ حيث الشقاق لا الوفاق، والفرقة لا التوافق، رغم الدعوات المتكررة من حماس إلى الحوار وإعلان الرئيس عباس قبوله، ودخول مصر كوسيط أو شريك لرعاية هذه المهمة، ولكن سرعان ما تنقلب الأوضاع فيخرج متحدث من هنا أو هناك ليرميَ بحجر في غير مكانه أو زمانه، فيعكر الماء على الجميع، أو ينسى الراعي مهمته فينحاز إلى طرف دون طرف فتتوتَّر الأجواء وتُعقَّد الحسابات وتهتز الثقة.

من هنا طرحت الأسئلة عن فرص نجاح أو فشل الحوار الذي ترعاه القاهرة، وما هو المشهد القادم في ظل الوضع الفلسطيني المأزوم معيشيًّا والمتوتر سياسيًّا والمتربص أمنيًّا؟ مما أضاف أعباءً إضافيةً على شعب ما عاد يتحمل.
فرص النجاح
- جاهزية المناخ العالمي.. من تعثر المشروع الصهيوأمريكي، وانشغال الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية بالانتخابات القادمة، فضلاً عن ملف القوقاز الذي فرض نفسه على الجميع.
- انهيار إستراتيجية الكيان الصهيوني وبعض دول الجوار في حصار غزة؛ بعد الصمود العجيب لشعب غزة وحكومة حماس.
- قناعة كافة الأطراف بفشل كل محاولات إسقاط حكومة هنية، بل إنه لا حل بدون حماس.
- فشل المسار التفاوضي بين السلطة والكيان الصهيوني في تحقيق أي إنجاز ملموس على الأرض.
- الوضع الضاغط في غزة كمبرر أمني للطرف المصري، وإنساني وسياسي للطرف الفلسطيني.
- ضرورة الوصول إلى توافق وطني قبل نهاية العام 2008م وانتهاء ولاية الرئيس عباس؛ مما يضع الجميع في أزمة بسبب مدِّ ولاية عباس، والتي ستعتبرها حماس غيرَ شرعية، أو إجراء انتخابات في ظل أوضاع غير مناسبة؛ مما سيؤكد حالة الانقسام والقطيعة.
- ظهور أطراف إقليمية فاعلة "صاحبة تجارب إيجابية سابقة" منافسة للطرف المصري، تمثِّل ضغطًا مفاده "نحن جاهزون للتوسط والحل".
- التأييد الشعبي العربي والإسلامي للملف الفلسطيني، خاصةً غزة في هذه المرحلة.
عوامل الفشل
يرى كثير من المراقبين أن هناك عدة أطراف ستسعى وبكل الحيل إلى إفساد كل جهود الوساطة، ولعدة أسباب؛ منها:
- الكيان الصهيوني.. لاستمرار فرض النزاع الفلسطيني الداخلي؛ حيث التصريحات والتهديدات بوقف المفاوضات مع السلطة لو تم الاتفاق بين فتح وحماس.
- الفيتو الأمريكي.. لأن المشروع الحضاري الإسلامي الذي تتبنَّاه حماس يهدد المشروع الرسولي للمحافظين الجدد (تم منح سلطة عباس 150 مليون دولار من أمريكا و500 مليون دولار من فرنسا خلال حوار صنعاء كمقدَّم لإفشال المبادرة اليمنية، وجاءت رايس للمنطقة تأكيدًا للفيتو ومواصلة الحصار).
- صقور فتح أصحاب المصالح والأيدي الممتدة إلى الخارج وشروطهم المعطّلة (راجع تصريحات أحمد عبد الرحمن ونبيل عمرو وغيرهما).
- بقايا التيارات والأنظمة العلمانية واليسارية والحريصة على عدم إنجاح نموذج وتجربة حماس، أو أي نموذج إسلامي في المنطقة، "خاصةً من له صلة بالإخوان".
- حالة الالتفاف التي تمارسها مصر على حماس، باستدعاء كمٍّ كبير من الفصائل الهامشية للتنسيق معها والضغط على حماس لتظهر وكأنها السبب في إفشال الحوار.
وأخيرًا..
هل ستنجح مصر في إدارة الملف واغتنام الفرص المتاحة وتوظيف كافة الأوراق الرابحة لفك الحصار عن غزة وتوحيد الصف الفلسطيني؟ أم أن المصالح الشخصية للنخبة الحاكمة ستدير دفَّة الحوار في الاتجاه المعاكس تأثرًا بعلاقاتها الخارجية وأدواتها التحريضية فتتجمد الدماء في عروق الوساطة؟!
الموضوع ليس مستحيلاً إن خلُصت النوايا وتوفَّرت القناعات وقويت الإرادات وصفِّدت الشياطين.. لك الله يا فلسطين!.