على مدار عشر السنوات الأخيرة شاهدت بعيني مواكب لثلاثةٍ من الرؤساء العرب، وفي كل مرة أقف مذهولاً مشدوهًا؛ لضخامة تلك المواكب وفخامة السيارات الموجودة بتلك المواكب وأشكالها المتنوعة والغريبة وأنواعها المصفَّحة والمدرَّعة، والتي صُنعت خصيصًا لهؤلاء.
كذلك سيارات التشويش والكشف عن المفرقعات وسيارات الأجهزة الفنية والرادارات، خلاف المدافع والصواريخ (شاهدتها في أحد المواكب)، كذلك هؤلاء البشر الذين يرتدون أفخر الملابس والثياب ويقومون بحراسة تلك المواكب وينظرون بشراسةٍ في جميع الاتجاهات، وقد خرجت البنادق الرشاشة التي في أيديهم من النوافذ مصوَّبة إلى المواطنين البائسين الذين يشاهدون هذا الموكب من باب الفُرجة وحب الفضول أو على سبيل الانتظار حتى عبور الموكب والإفراج عنهم!! وليس من باب رؤية الرؤساء والهتاف بأسمائهم.
ناهيك عن إخلاء الشوارع والميادين وتأمين أسطح البنايات والعمارات في محيط عدة كيلومترات، ووقف مرور السيارات وحجز المواطنين في سجون صغيرة عبارة عن علبة من الصفيح اسمها سيارة لعدة ساعات حتى يمر (بابا الوطن) وحامي الديار وحبيب الملايين الزعيم المُفدَّى.
مشهد عبثي يتكرر كل يوم في أكثر من مكان، ويظل هناك سؤال يطل علينا ويلح بشدة للإجابة عنه:
لماذا كل هذا؟! لماذا كل هذه الحراسات والدفاعات و"الهيلامانات"؟! ممن يحمي الرئيس نفسه؟! هل من الشعب الذي جاء باختيار 99.9% من أفراده؟! أم من المواطنين الذين تركوا بلادهم لإحدى العائلات؛ يتوارثها صغير عن كبير؟! هل يخشى هؤلاء الرؤساء من أن يتكرر معهم مثل ما فعله أبو لؤلؤة المجوسي مع أعدل مَن حَكَم على وجه هذه الأرض سيدنا عمر بن الخطاب؟!
هل يعقل أن يعزل رئيسُ بلدٍ نفسَه بهذه الصورة المأساوية عن أفراد شعبه وعن بني جلدته؟! دلوني بالله عليكم.. كيف سيقوم بالتواصل معهم؟! كيف يرى خلف ذلك الزجاج الأسود السميك وجوههم.. عابسة أو ضاحكة؟! كيف يتفقد أحوالهم؟! كيف يسمع أصواتهم خلف المدرعات؟! كيف يشعر بهم وهو لا يتعامل معهم إلا عن طريق "الكومبارس" الذي يقومون بإحضاره في الجولات والمؤتمرات واللقاءات؟!
أين العدل الذي يحصِّن به الحاكم مملكته كما قال الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز لوالٍ طلب زيادة المصروفات ليعلي أسوار الولاية ويزيد الحراسات؟! لماذا لا يسأل كل رئيس عربي نفسه يُحيط نفسه بجيشٍ من الحرس: لماذا لا يتترس بشعبه أولى وأفضل وأكرم له؟! لماذا في البلاد الغربية؛ حيث الإرهاب والجرائم المنظمة على أصولها، يسير الرئيس بين أفراد الشعب ويتواصل معهم، بل ويتم استيقافه وتوقيع مخالفة لسيارة يقودها بنفسه؟!.
ما أسوأها حياةً وعيشةً تعيسةً يحياها هؤلاء الرؤساء وهم يُحرَمون من ونس الوطن والتعامل مع أبناء الوطن، بل ومن الحياة الطبيعية!! عجيبٌ أمر الرؤساء العرب الذين يحكمون شعوبهم عن بُعد بـ"الريموت كنترول"!.
المؤسف في الأمر أن الكيان السرطاني الإرهابي الصهيوني الرئيس فيه ورئيس الوزراء في متناول الجميع وبدون ساتر، بل إن إيران البلد الإرهابي (الكخة) كما يقولون، الرئيس نجاد يمشي في الأسواق بين الناس.
أعتقد أن الرؤساء العرب سيظلون في كوكبهم، أقصد مواكبهم المدرعة، إلى أن يكون اختيارهم نابعًا من الشعب وعن طريق اختيار حر وشفاف، وليس عن طريق صناديق انتخابات متعفنة مزوَّرة ولا عن طريق توريث عائلي بغيض.
قديمًا عدل عمر فنام وأمن تحت ظل شجرة، واليوم.. ظلم الحكام العرب فعاشوا في رعب وناموا في دبابة!
---------
* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- haythamabokhalil@hotmail.com