محمد السروجي

سؤال شائك وحَرِج لكنه مطروح.. سؤال لا يحمل طلب الإجابة والاستفسار بقدر ما يحمل الغرابة والاستنكار على مصر دورها القومي.. سؤال يسجِّل إخفاقًا جديدًا للدبلوماسية المصرية في التعامل مع القضية الفلسطينية بملفاتها المختلفة؛ بدايةً من فتح معبر رفح وفك الحصار عن شعب غزة، مرورًا بالحوار بين الأخوة الفرقاء "حماس وفتح"، وانتهاءً بتنفيذ استحقاقات التهدئة وتبادل الأسرى.. سؤال يؤكد حالة الابتزاز التي يمارسها الكيان الصهيوني ضد الكبيرة مصر لتتراجع متخليةً عن مسئولياتها الشرعية والقومية وتعزل نفسها عن جسدٍ هي له بمثابة العقل والقلب سواء بسواء، فما هي شواهد هذه الحالة؟ وما دلالاتها؟ وماذا نتوقع في الفترة المقبلة خاصةً مع بروز قَطَر كلاعبٍ إقليمي والأردن التي تحاول إعادة شعرة معاوية مع حماس؟
شواهد ودلالات
يرى البعض أن مصر حريصةٌ على ألا تكون شريكًا، وتعلن دائمًا أنها وسيط، ويرى البعض الآخر أنها طرف منحاز إلى فتح ضد حماس؛ فلا تستطيع أن تكون وسيطًا نزيهًا، بل هي شريك لطرفٍ دون طرف! وبشواهد عدة:
- إصرار مصر على عدم فتح معبر رفح إلا تحت رعاية سلطة عباس وفي وجود الطرف الأوروبي وهي غير ملزمة قانونًا بهذا الإجراء، لكنها ذريعة لعقابٍ جماعي لشعبٍ أعزل.
- التعامل الأمني مع حماس (مدير المخابرات المصرية)، والسياسي مع فتح (الخارجية المصرية والقيادة السياسية).
- عدم الاعتراف بشرعية الحكم في غزة والحرص على التسويف في التعاطي مع حماس أملاً في عودة الأوضاع إلى ما قبل 14/6/2007م.
- الأخبار والمعلومات المفخخة عن القبض على فلسطينيين وبحوزتهم أسلحة وأحزمة ناسفة كان آخرها ما جاء على لسان السفير حسن عيسى في برنامج زيارة خاصة لقناة (الجزيرة) (نفى الأمن المصري هذه الأخبار وخاصةً المأخوذة عن موقع (دبكا) التابع للموساد الصهيوني).
- إعلان مصر أنها لن تدعوَ إلى الحوار إلا إذا قدَّم الطرفان "حماس وفتح" ضمانات نجاح الحوار، وهو منطق لدبلوماسية عاجزة لا تملك إرادة ومهارات التفاوض وحل المشكلات.
- التصريحات غير المتزنة- بل المنحازة وغير الدبلوماسية التي يعلنها- الوزير أبو الغيط تارةً بأنه سيكسر قدم كل مَن يعبر حدود مصر، وتارةً أخرى بإعلان إقصاء حماس من حكومة الوحدة الوطنية!!
- التحريض الإعلامي ضد حماس، والذي يرفع لواءه التيار العلماني واليساري الحكومي والمعارض والمستقل.
- قصور الرؤية الإستراتيجية للسياسة المصرية في التعامل مع الملف الفلسطيني بتغليب الانطباع والمصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية والقومية.
وأخيرًا.. يتساءل البعض عن مستقبل العلاقة بين مصر وحماس التي تبدو وكأنها على صفيحٍ ساخن؛ هل ستدخل مرحلة الانفجار مرةً أخرى "بسبب الحصار الخانق"؟ أم أنها ستكون أشبه بالعلاقة البندولية المتأرجحة؟
مصر تنظر بترقبٍ وتحفظ وريبة، وحماس تؤكد أن العلاقة إستراتيجية ولا يمكن أن تصل إلى طريقٍ مسدود، كما يرى البعض أن الحوار بين الإخوة الفرقاء يحتاج إلى قوة وإرادة من فتح ومرونة وبرجماتية من حماس، لكن وفي جميع الأحوال القول إن مصر وسيط قول مرفوض ومردود؛ لأنها شريكٌ متضامنٌ مع إخوة الجوار واللغة والدين ضد الكيان الصهيوني الغاصب.