د. حلمي محمد القاعود

 

يعالج برنامج الحزب المقترح للإخوان المسلمين قضية التعليم العالي معالجةً لا بأس بها، وإن كان يطرح مجموعةً من النقاط يدُل ترتيبُها على عدم مراعاة أوليات التعليم الجامعي؛ فهو مثلاً يطرح قضية السيطرة الأمنية على الجامعات في آخر النقاط التي تدور حول التعليم العالي؛ في حين أنها تمثل قضية رئيسية وأساسية، فأجهزة الأمن تعطِّل مسيرة الجامعات، وتشدُّها إلى الوراء بتدخلاتها المشينة في مجالات العمل كافة؛ بدءًا من النشاطات الطلابية إلى تعيين القيادات الجامعية، لدرجة أن أصبح بعض أعضاء هيئة التدريس والموظفين والطلاب يتطوعون بتقديم خدماتهم المجانية لأفراد الأمن!.

 

وكنت أتمنى أن يكون استقلال الجامعة وتحريرها في مقدمة النقاط التي تكشف خطر التدخل البوليسي في الشأن الجامعي، خاصةً بعد أن صار للضابط برتبة نقيب أو أعلى مكتب فخم لا يحظى بمثله أقدم أستاذ في الجامعة، وله من السلطة ما يفوق بل ما يلغي سلطة عميد الكلية أو رئيس الجامعة نفسه، بل ما يعترض الندوات والمؤتمرات العلمية، ويمنعها إذا حضرها أعضاء من غير الحزب الحاكم أو ممن لا ترضى عنهم الجهات الأمنية لأسباب سياسية، وهو أمر معروف في الأوساط الجامعية، وله وقائع تسنده، يعرفها أعضاء هيئة التدريس في كل مكان على ظهر المحروسة.

 

استقلال الجامعة هو المدخل السليم إلى بناء حياة جامعية حرَّة؛ يتحرك أفرادها في الإطار المعرفي والبحثي دون سدود أو قيود أو تربُّص من هنا وهناك، ويُتيح لهم في الوقت نفسه اختيار قياداتهم ومجالسهم وفقًا لما تمليه المصلحة التعليمية الجامعية.

 

ويرتبط بهذا الاستقلال العلمي للجامعة النهوض بمستوى عضو هيئة التدريس ماديًّا ومعنويًّا، بعد أن صار واقع العضو متردّيًا، ولا يقبل به من لديه أدنى إحساس بأهمية الجامعة ودورها الاجتماعي والحضاري.. لقد صار مرتب الأستاذ الجامعي متدنيًا إلى الحد الذي يجعله في ذيل قائمة المرتبات، بل إن أجر العامل في بعض الجهات يفوق مرتب حامل الدكتوراه، وهو أمرٌ معيبٌ بكل المقاييس، ولا يسمح بإعداد أستاذ جامعي متفرغ للبحث والدرس والإنتاج العلمي المفيد، ثم إن واقع الجامعة المتردي جعل تخريج أساتذة المستقبل يدور في إطار بعيد عن الجدية والتفوق الحقيقي، ويسمح بتسلل عناصر غير مؤهلة تحت ظروف غير علمية.

 

إن احتلال الجامعة وإهمال الأستاذ من الأمور المقصودة بغرض تنحية الجامعة عن أداء دورها الاجتماعي والقيادي خدمةٌ للنظام السياسي الشمولي الرافض للمشاركة الشعبية، وكان على البرنامج المقترح للحزب المستحيل- أو الذي أراه مستحيلاً- أن يعطي الجانب الاستقلالي للجامعة والاهتمام بقيمة الأستاذ أهميةً قصوى بوصف ذلك قاعدة الانطلاق الجامعي معرفيًّا وبحثيًّا وقيميًّا.

 

إن البرنامج يتحدث عن أهمية دعم التعليم الجامعي، من جانب الحكومة طبعًا، وهو أمر مطلوب بلا ريب، ولكنه أغفل جانبًا مهمًّا في التعليم الجامعي، وهو الجامعات غير الحكومية، ولا شك أن إقامة جامعات خاصة بالأسلوب القائم يمثل سلبيةً خطيرةً في المرحلة التعليمية العالية، ويكفي أن معظم هذه الجامعات الخاصة ليس فوق مستوى الشبهات؛ من حيث القبول والإمكانات وهيئات التدريس، فضلاً عن كونها مشروعات استثمارية أو ربحية، تجعل غايتها الأولى والرئيسية الكسب أو الربح الذي يُرضي أصحابها، ولو جاء ذلك على حساب قيم تعليمية أو خلقية.

 

كنت أتمنى من برنامج الحزب المقترح أن يتحدث عن تأسيس جامعات أهلية؛ تجعل غايتها الأولى تحقيق الهدف العلمي والبحثي، وليس الهدف الربحي أو المادي.

 

إن الجامعات الأهلية حلٌّ ضروريٌّ للإسهام الفعال في تحديث التعليم الجامعي وتقدمه في ظل العجز الحكومي عن تطوير التعليم الجامعي والنهوض به، وهذه الجامعات تمثل المشاركة الشعبية التطوعية في بناء الصرح التعليمي الوطني بما يؤدي إلى الإضافة وازدهار البحث العلمي.

 

لا شك أن الجامعات الأهلية حين يتاح لها العمل الحرُّ المستقل سوف تستوعب أعدادًا هائلةً من الطلاب وهيئات التدريس، بما يرفع المستوى الثقافي للشعب، ويخلق كوادرَ مؤهلةً للعمل في مجالات مختلفة بأعداد غفيرة، وأتصور أن الجامعات الأهلية ستركِّز على الجوانب التقنية بالدرجة الأولى، بما يخدم الزراعة والصناعة والإنتاج القومي، وهو ما يقلِّل من الاتجاه نحو الدراسات النظرية أو الأدبية.

 

وسيكون من الطبيعي إقامة الجامعات الأهلية في المناطق الصحراوية أو غير المأهولة سكانيًّا، لتحقيق التوسع العمراني وتخفيف الكثافة السكانية في الوادي المزدحم.

 

الجامعات الأهلية هي البديل الطبيعي للجامعات الخاصة التي لا تحقق أهدافًا عامةً بقدر ما تعمل في مجال الأهداف الخاصة المحدودة، ومن المناسب الإشارة إلى آخر نقطة في الفصل الأول من الباب الثالث، وهي الخاصة بإحياء نموذج الوقف الإسلامي لدعم التعليم الجامعي وتمويل البحث العلمي.

 

ونظام الوقف عرفه التشريع الإسلامي منذ أمد بعيد في عصر ازدهار الدولة الإسلامية، ويتمثَّل في تخصيص مال أو عقار أو مؤسسة ما؛ تدرُّ ربحًا أو إنتاجًا له قيمة، وتوجيه العائد المالي لخدمة هدف معين؛ مثل التعليم أو رعاية الأيتام، أو كفالة المدينين أو علاج الفقراء والمحتاجين ونحو ذلك، وهذا التخصيص من جانب صاحب الوقف أو أصحابه يكون بقصد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وابتغاء الثواب منه وحده؛ فهو بهذه الصفة نوع من العبادة يتقرب به العبد إلى ربه، ويشبه الصدقة الجارية، أو هو الصدقة الجارية بعينها.

 

وفي العصور المتأخرة كثرت الأوقاف لدرجة إنشاء وزارة تتولى الإشراف عليها وتوجيه أموالها، وإن كانت بعض الممارسات وخاصةً مع سياسات التأميم والإصلاح الزراعي قد امتدَّت إلى الاستيلاء على الأوقاف، والتصرف فيها بما لا يتفق مع أهداف الواقفين، وهو ما جعل كثيرًا منها يذهب غنيمة حرامًا لبعض الناس، ولعل ذلك كان وراء إحجام فاعلي الخير عن الوقف في أيامنا.

 

إن استنهاض الهمم من أجل الوقف لحساب التعليم الجامعي بل والتعليم العام، مع إصدار القوانين التي تؤمِّن الوقف، وتمنع مصادرته أو بيعه أو نهبه تحت أية ذريعة أو سبب من الأسباب، لهُوَ أمرٌ ضروريٌّ من أجل الإسهام في التعليم الأهلي الذي لا يبتغي الربح أو الكسب المادي، سواءٌ كان تعليميًّا جامعيًّا أو عامًّا.

 

وأعتقد أن الجامعات الأهلية ستجد في "الوقف" دعمًا كبيرًا لبناء صروح تعليمية جيدة تخدم الطلاب والوطن والأمة جميعًا.

 

صورتان:

الأولى: صورة مساعد الشرطة؛ الفلاح الأصيل الذي دفعته شهامته ومروءته أن يدخل النار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مجلس الشورى الذي كان يحترق، ولم يخرج إلا شهيدًا بعد بضعة أيام ليُدفن في قريته، مشيَّعًا بتقدير الشعب المصري واحترامه.

 

الأخرى: صورة الفتاة التي ظهرت في شريط على مدونة "الوعي المصري" تسبُّ الذات الإلهية بخسَّة غير مسبوقة وألفاظ في غاية البذاءة، وتواجه الرجال بعصا كهربية تصيب من يضرب بها بالشلل، وتستدعي أباها العميد في الشرطة ليؤدِّب من صدمتهم بسيارتها في شارع فيصل.. إن هذه المتوحشة تحتاج مع أبيها إلى من يجعلهما عبرةً لمن لا يعتبر!.

------------

* drhelmyalqaud@yahoo.com