أولاً: في معايير الاستقرار السياسي

الاستقرار السياسي أمر تسعى إليه الأمم والشعوب؛ لأنه يُوفِّر لها الجو والبيئة الضروريين للأمن والتنمية والازدهار، ومفهوم الاستقرار السياسي مفهوم نسبي تختلف بعض مفرداته حسب المجتمعات، كما تختلف تعريفاته ومعاييره لدى الباحثين، لكنه يستبطن قدرة النظام السياسي على التعامل بنجاح مع الأزمات التي تواجهه، وقدرته على إدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع بشكلٍ يستطيع من خلاله أن يحافظ عليها في دائرةٍ تُمكِّنه من القيام بما يلزم من تغييراتٍ للاستجابة للحد الأدنى من توقعات وحاجات المواطنين.

 

وبتعبير آخر إن الاستقرار السياسي هو مدى قدرة النظام السياسي على تعبئة الموارد الكافية لاستيعاب الصراعات التي تبرز داخل المجتمع، بدرجة تحول دون وقوع العنف فيه. فكثير من الباحثين يذهبون إلى أن العنف هو أحد أهم ظواهر عدم الاستقرار السياسي.

 

ومن معايير الاستقرار السياسي ازدياد فرص الانفتاح السياسي والديمقراطية المقترنين بالاعتدال في المواقف والسلوكيات، واتخاذ مواقف أقل تشددًا وتوترًا من قبل الأطراف السياسية والمدنية.

 

وبهذا يظهر أن الاستقرار السياسي ليس وليد القوة العسكرية أو الأمنية، على أهميتها في ذلك، ولا يتأتَى بالمزيد من الإجراءات الردعية أو الإكثار من الممنوعات والضغوطات، وإنما يتم ببناء حياة سياسية سليمة، ترفع مستوى الرضى الشعبي ومستوى الثقة في الحياة السياسية وفي مؤسسات الدولة والمجتمع، وتبث الأمن والطمأنينة وبالتالي الاستقرار. إن العديد من الدول تملك ترسانة عسكرية كبيرة وأجهزة أمنية متطورة، والكثير من مظاهر القوة المادية، إلا أن استقرارها السياسي هش، سرعان ما يعاني التداعي والاهتراء والضعف مع أي ضغط أو تحول. وفي المقابل نجد دولاً تعرف استقرارًا مقبولاً أو صلبًا، وتواجه أزماتها وتقاوم المؤامرات التي تتعرض لها بإمكاناتها الذاتية، على الرغم من أنها قد لا تمتلك أسلحة عسكرية ضخمة، ولا مؤسسات أمنية متطورة. وكأن الدول ذات البنيات السياسية الهشة تستعيض عن تلك الهشاشة بالوفرة في القوة العسكرية والأمنية، مع أن القمع لا يصنع أمنًا ولا استقرارًا، بل يضاعف من عوامل وأسباب التوتر السياسي والاجتماعي، وربما انفجارهما.

 

ثانيًا: في مفهوم الوسطية

يرتبط مصطلح الوسطية بلفظ الوسط ومعانيه في اللغة. لذلك ننطلق منها لتحديد مفهومه.
يقول ابن منظور: "وسط الشيء ما بين طرفيه". وهو قد يأتي صفةً، وإن كان أصله أن يكون اسمًا من جهة أن أوسط الشيء أفضله وخياره، كوسط المرعى خير من طرفيه لأنه أخصبها عادة، وكوسط الدابة للركوب خير من طرفيها لتمكن الراكب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (الحج: من الآية 11)، أي على شك، فهو على طرف من دينه غير متوسط فيه ولا متمكن. ومنه أيضًا الأثر: خيار الأمور أوساطها. فلما كان وسط الشيء أفضله وأعدله جاز أن يقع صفة، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية 143)، أي عدلاً، ثم قال ابن منظور: "فهذا تفسير الوسط وحقيقة معناه وأنه اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه".

 

أما الراغب الأصفهاني فينطلق من كون الوسط يقال تارةً فيما له طرفان مذمومان كالجود الذي هو بين البخل والسرف، ليؤكد أنه لفظ يستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به، مثل ما تستعمل ألفاظ السواء والعدل والنصفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.

 

 إن الوسطية المذكورة في الآية وإن شرحت لدى المفسرين بالخيرية والعدل، فإن هذه الصفات، بالنظر لأصل المفهوم، ناتجة عن البعد عن طرفي الإفراط والتفريط. وهو ما أكد عليه العديد من العلماء المعتبرين. فذهب ابن جرير الطبري إلى أن الله تعالى إنما وصف المسلمين بأنهم وسط لتوسّطهم في الدّين، فلا هم أهل غلو فيه ولا هم أهل تقصير فيه، قال: "ولكنهم أهل توسّط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبّ الأمور إلى الله أوسطها".

 

أما ابن قيم الجوزية فبعد أن يؤكد أن دين الله تعالى بين الغالي والجافي، وأن خير الناس النمط الأوسط بعيدًا عن تقصير المفرطين وغلو المعتدين، يقول: "وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطًا، وهي الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط".

 

 ومن هنا فإن الوسطية هي حالة من التوازن بين التشدد والشذوذ من جهة، والتهاون والتقصير من جهة ثانية. وهي منهج في الحياة، يرتبط بمختلف جوانب النشاط البشري، فهي منهج في فهم الشرع، ومنهج في التدين، ومنهج في العمل السياسي، ومنهج في التعامل مع الآخرين.

 

وتيار الوسطية تيار ممتد عبر التاريخ، ليس وليد حالة تاريخية واجتماعية راهنة، إنما هو نتاج لحركة التجديد والإحياء الإسلاميتين عبر التاريخ قادها عبر عصور مختلفة عدد من العلماء والمفكرين الإسلاميين عبر التاريخ.

 

ولئن عرفت المجتمعات المسلمة في مراحل متعددة، بروز أفكار وسلوكيات متشددة، أخذت من الدين الجوانب الأكثر صعوبة، بل وبالغت فيه، حتى تصوّر بعض الناس أنها هي الجانب الأهم من الحياة ومن الدين، فإن التيار الأعم والأكثر شعبيةً وانتشارًا عبر تاريخ المسلمين هو تيار الوسطية والاعتدال. وقد خط القرآن الكريم وخط الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك منهجًا وسطيًّا واضحًا لا لبس فيه من خلال التوجيهات المحذرة من الغلو، والمرغبة في التيسير والتخفيف، ومن خلال سيل من المبادئ والقواعد التي جعلت تيار الوسطية تيارًا أصيلاً ضاربًا في أعماق التاريخ الإسلامي

 

ومن المعروف أنه توجد مقاربات واجتهادات مختلفة في الفكر السياسي الإسلامي، منها الموسع والمضيق. ومن هنا الحاجة إلى تبين أهم سمات وتأثيرات المنهج الوسطي.

 

ثالثًا: سمات التوجه الوسطي في المجال السياسي

ليس التوجه الوسطي في المجال السياسي مدرسة واحدة، ولا توجهًا نمطيًّا، لكن له سمات إن كان من الصعب استقصاؤها جميعًا فمن الممكن الوقوف عند أهمها.

 

1- السياسة فكرًا وممارسةً في المدرسة الوسطية مجال اجتهاد كما بين ذلك العلماء الذين كتبوا في السياسة الشرعية، كما أنه مجال مقاصد لدخوله في دائرة المعاملات (التي يسميها علماؤنا: العاديات). وهذا من معاني القاعدة الأصولية: "الأصل في العبادات والمقدرات التعبد، والأصل في العاديات الحكم والمقاصد".

 

وبالتالي فإن الأحكام السياسية الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة محدودة جدًّا، أما الباقي ففضاء واسع لإبداع الفكر البشري في ظل المرجعية الإسلامية. فلم يحدد الإسلام شكلاً معينًا للدولة ومؤسساتها، وطبيعة العلاقات فيما بينها، ولم يحدد طريقة للتداول على السلطة ولا لاختيار الحاكم، ولا لكثير غيرها من أساسيات الفكر السياسي.

 

كما أن إجراءات السياسة الشرعية لدى الفقهاء المعتبرين إجراءات تهدف إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد وفق الضوابط الشرعية، وإن لم يرد بذلك الإجراء نص، وعنها ينقل ابن قيم الجوزية قول أبي الوفاء بن عقيل: "السياسة ما كان فعلاً بحيث يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي".

 

2- والمجال السياسي- بالتالي- مجال يحتاج إلى حذر شديد لأن الجمود فيه- مثل التسيب سواء بسواء- عمل على عكس ما يريده الشرع، لذلك يعيب ابن القيم على أناس تشددوا هنا "فسدوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنها حق مطابق للواقع، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله، إنها لم تناف ما جاء به الرسول، وإن نفت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر".

 

3- المجال السياسي مجال اختلاف الاجتهادات وتعدد الآراء، وواجب المسلم فيها طاعة الله بحسب الاستطاعة، وتحري المصلحة قدر الإمكان، وقد يوافق الصواب كما قد لا يوافقه، "لكن لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فإذا اتقى العبد الله ما استطاع آجره الله على ذلك، وغفر له خطأه، ومن كان هكذا: لن يكون لأحد أن يذمه ولا يعيبه ولا يعاقبه...". وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم. وهذا يعني أخذ الفعل السياسي من منطلق النسبية والأولويات والفرص المتاحة والإمكانات الذاتية لا من منطلق الأحكام المطلقة والمواقف الحدية.

 

وهكذا فإن التعددية السياسية ومفارقة النظام الأحادي المنغلق أصل من أصول الوسطية، وتعني في جوهرها التسليم بتعدد وجهات النظر واختلاف الآراء باعتبارها واقعًا وحقًّا لمختلف الأطراف، لا يملك أحد ولا أي سلطة حرمانهم منها. ويجب ألا ينظر إليها على أنها مشكلة أو عائق، ولكن على أنها غنى وإثراء.

 

4- تنطلق الوسطية من الجمع بين ثوابت الدين المرتبطة بالمجال السياسي وبين عطاءات التجربة الإنسانية. وتلك الثوابت الدينية هي بالأساس القيم السياسية المنصوص عليها في القرآن والسنة. ومن تلك القيم احترام كرامة الإنسان وحرياته المدنية وحريته في التعبير، واحترام معايير الصدق والشفافية والعدل، وإقامة الشورى. وتبقى الوسائل لتنزيل تلك القيم في الواقع مفتوحة في الغالب الأعم لإبداع الأمة واجتهاداتها التي تختلف من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة.

 

وهذه السمة يمكن الاصطلاح عليها بالتجديدية. وهي تقتضي تجاوز كثير من الاجتهادات البشرية في فهم الدين وتنزيله والتي كانت مرتبطة بظروفها وأعراف زمانها ومستواها الحضاري. ومن تلك الاجتهادات في الفكر السياسي تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب أو إلى ثلاثة بإضافة دار العهد، وكذلك اعتبار غير المسلمين في الدولة أهل ذمة بحقوق وواجبات مختلفة عن المواطنين المسلمين، أو اعتبار تولي المسئولية أبدية بالنسبة لرئيس الدولة. فتلك على الراجح اجتهادات كانت تستجيب لحاجات واقع تغيرت وانقضت مبرراتها.

 

والوسطية تجديدية بطبيعتها، وآلياتها في ذلك مبنية على الاستفادة من منجزات الآخرين، ومن عطاءات الحضارة الإنسانية، مما يمكن من تفاعل مستمر مع الواقع وحاجاته، ومع الفكر وتطوراته.

 

5- الخطاب السياسي الوسطي خطاب يتميز بسمات الرفق واليسر والسماحة، وهو خطاب مطمئن، رفيق، ميسر متلطف، متودد... ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125)، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: من الآية 34)، "المؤمن يألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف". وعدم تمثل هذه السمة يجعل الخطاب السياسي مصدر توجس وخوف، وربما مصدر رعب وفزع، يؤدي إلى فقد الأصدقاء وتكثير الأعداء، وفتح جبهات لا مبرر لها.

 

ومن الوسطية العمل بطريقة منظمة ومتدرجة ورفيقة تراعي الواقع، وتحاول الارتفاع به إلى النموذج المأمول في تدرج، وعلى قدر الوسع والاستطاعة، ودون هزة عنيفة، لأن العالم "تارة يأمر، وتارة ينهي، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة"، وهو "قد يؤخر البيان إلى وقت التمكن (منه)، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله صلى عليه وسلم تسليمًا إلى بيانها"، "فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما، كان بيانه لما جاء به الرسول شيئًا فشيئًا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئًا فشيئًا، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فامر بما يستطاع، فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته: لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به...".

 

والسر في ذلك أن تحقيق الإصلاحات المأمولة بأسلوب متدرج وبتبني الحلول الوسط، قاعدة راسخة للنجاح، تمكن من التقدم إلى الأمام ومن تحقيق الإنجازات، بينما لن توصل العجلة إلى الهدف إن لم تضعه أو تشوش عليه. ويروي لنا التاريخ أن الخليفة عمر بن عبد العزيز طلب منه ابنه عبد الملك يومًا أن يقضي على المظالم والمفاسد المتراكمة دفعةً واحدةً، دون تأخر مهما تكن النتائج، قائلاً له: "ما لك لا تنفذ الأمور، فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق". ولكن عمر بن عبد العزيز أوضح عقم ذلك قائلاً: "لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة".

 

رابعًا: تفاعلات الوسطية والاستقرار

بمقارنة بسيطة لمعايير الاستقرار السياسي وسمات الوسطية يظهر كيف أن التوجه الوسطي يوفر أفضل الشروط والظروف لتحقيق الاستقرار السياسي والحفاظ عليه. ويتم ذلك من خلال أربعة مداخل على الأقل نتوقف عندها هنا.

 

 1- زرع الثقة والتنافس الإيجابي 

 أول آلية تؤثر من خلالها الوسطية في الاستقرار هي توفير منهج متوازن في العلاقات مع المحيط، فانطلاقًا من سمات الوسطية تنبني تلك العلاقات على التوازن والاعتدال والحوار المفتوح مع الجميع، وعلى البحث الجاد عن نقاط التلاقي مع باقي التيارات الفكرية والسياسية على الساحة. فإن التيار الوسطي يأبى بطبيعته منطق الوصاية والانغلاق وأحادية التفكير. 

 

 فالفكر الوسطي الإسلامي يؤمن بالآخر ولا يرفضه، ويعمل على تأسيس علاقة حوارية وتفاعلية راقية معه. وهو حوار ممتد في المكان مفتوح مع الجميع، وحوار ممتد في الزمان، مستمر لا ييأس أو يتوانى. وهو في المقابل أيضًا حوار متأنٍ، بعيد عن العجلة وإصدار الأحكام المتسرعة. وهذه السمات للحوار مع الآخرين تضمنها القرآن الكريم بتناوله مشاهد متنوعة وغنية من حوار الأنبياء والمصلحين عبر التاريخ مع الآخرين. كما أن السنة النبوية شاهد عملي ومتنوع للحوار مع الجميع. لذلك فإن على تيار الوسطية الاستفادة من أي تيار موجود في مجتمعه وفي المجتمعات الأخرى، والاطلاع على تجاربه وفق حوار لا يتوقف.

 

وإن من ثمرات الوسطية زرع الثقة بين مختلف مكونات العمل السياسي من أبناء الوطن الواحد. والسبب في ذلك أن الوسطية بطبيعتها المتدرجة الرفيقة تفرز آثارًا اجتماعية ملموسة، من إشاعة المودة وبناء العلاقات الإيجابية، والابتعاد عن التعصب والأحقاد، وتوفير الثقة في الآخرين وإحسان التعامل معهم. وهذه كلها سمات لها دور مهم في بناء أحوال المجتمع على الطمأنينة والشعور بالاستقرار، والتفرغ بالتالي للإنجاز والعطاء.

 

كما أن الخطاب الوسطي ينأى بدعاته عن خطاب المزايدة السياسية، الذي ينطلق من خلفية الإقصاء والاستئصال والحقد، مما يؤدي عادة إلى تسميم الأجواء ونشر التدابر والتنافر والصراع عوض التآلف والتكامل والتنافس الإيجابي. وبزرع الثقة وإيجاد أجواء صحية للتنافس يسهم المنهج الوسطي في تهيئة مناخ التوافق بين الفاعلين مما يعزز الاستقرار السياسي. 

 

 2- علاقة متوازنة مع الأنظمة:

يتبنى التيار الوسطي منهج المشاركة في مؤسسات المجتمع، وخصوصًا في المؤسسات السياسية. كما يتبنى الإصلاح وفق الآليات الديمقراطية والنضال السلمي، ويعمل على توسيع دائرة حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية. كما ينبذ التيار الوسطي العنف ولا يقبل بالنضال السلمي السياسي والاجتماعي بديلاً.

 

وقد تميزت العلاقات بين الأنظمة والمجتمعات وبين الأنظمة والحركات السياسية في كثير من فترات تاريخنا المعاصر بالتوتر، وأحيانًا بالصدام. وأدى ذلك إلى حالات من عدم الاستقرار ومن العنف والعنف المضاد، أهدرت فيه أموال وجهود وأرواح دون طائل. ثم تبين أن الخاسر الأكبر في كل تلك المعارك هو الأوطان والشعوب. وكان الأولى أن تصرف كل تلك الجهود للبناء والتنمية والإصلاح. وفي المقابل وجدت حركات ذابت في الأنظمة واستسلمت لإملاءاتها، ولم تفرز برامج إصلاح مستقلة قادرة على التأثير بفاعلية في إصلاح الأوضاع.

 

والطريق الوسط هو أن تكون الحركات السياسية مستقلة في توجهاتها، قوية في مبادئها وبرامجها، معارضة للسياسات الخاطئة، منحازة إلى المصالح الحقيقية المشروعة لأوسع الفئات الشعبية وللمصالح الوطنية والقومية، وفي المقابل تكون مرنة في تنزيل برامجها، حريصة على الأمن العام وعلى الاستقرار، خطها الأحمر في ذلك مصلحة الأوطان وأمنها، تاركة قنوات الحوار والتعاون مفتوحة مع الجميع فيما هو مشترك وصالح عام.

 

ولا يعني المنهج الوسطي التخلي عن خيار المقاومة ضد الاستعمار أو الاحتلال، كما لا يعني الاستسلام لهيمنة القوى العالمية المناهضة لخيارات استقلال الشعوب. فالخنوع لم يكن قط إلا إفراطًا في الحقوق وتضييعًا لها. 

 

 3- التغيير بالتدرج لا بالطفرات:

يعد تبني التدرج في تنزيل المشروع الإصلاحي سمة بارزة للتيار الوسطي. وهو جزء أصيل من منهج الإسلام في معالجة اختلالات الواقع. ذلك أن تطور الواقع من حالة مثقلة بالتخلف إلى واقع اجتماعي حيوي مشبع بالقيم الدينية السليمة وبالقيم الحديثة، يتطلب أمرين اثنين على الأقل هما:

- الانتقال التدريجي نحو القيم المرادة، دون قطائع أو هزات.

- الحفاظ على التوازن بين القيم الحديثة والقيم الإسلامية، فلا يقع الميل المفقد الهوية والذاتية الحضارية.

 

وكل حركات الإصلاح التي استعجلت التغيير، ولجأت إلى أساليب منافية لمنطق التدرج بتجاوز المراحل والقفز عليها وعلى معطيات الواقع، باء مشروعها بالفشل، لأن السلطة الحقيقية ليست بالتسلط على الناس وإنما بإقناعهم وكسب قلوبهم.

 

4- حل النزاعات داخل المجتمعات دون عنف:

يؤدي كل من الغلو والتشدد إلى العديد من التأثيرات السلبية الفردية والجماعية تزداد حدتها على قدر حدة ذلك الغلو والتشدد، وتؤجج العنف والنزاعات المختلفة.

 

- فعلى المستوى الفردي يكون الشخص المتشدد عرضة للارتباك وسوء التوافق، أما التوازن والاعتدال فيؤديان إلى التوافق النفسي والاستقرار والشعور بالأمن، وبالتالي الميل إلى سلوك الوسائل السلمية لتسوية النزاعات وقلة الميل إلى الأساليب العنيفة.

 

- وعلى المستوى الجماعي تعتبر الوسطية معينة على تفادي النزاعات وعلى حلها وتجاوزها بأقل الخسائر، كما تفيد في احتواء السلوكيات الجماعية المتشددة، والتي هي مدمرة في كثير من الأحيان. علاوةً على أم هذا الميل الوسطي مصلحة اجتماعية واقتصادية وسياسية تشيع الطمأنينة والفاعلية والحماس للعمل والإنتاج وتعمق الثقة بين الفاعلين. والسر في ذلك هو أن الوسطية تسهل التفاوض والتسويات وبلورة حلول توافقية لجملة من المشكلات المستعصية والقضايا العالقة، وتمكن بالتالي من حل النزاعات داخل مجتمعاتها سلميًّا دون عنف.

 

وينعكس الانحراف عن الوسطية على مختلف مستويات وصيغ الاجتماع البشري اضطرابات وأنواعًا من القلق يمكن أن تذهب بالاستقرار وتزرع الفتن والمخاوف. وهذا قد يثير ردود الأفعال ويضيف انفعالاً إلى انفعال وتطرفًا إلى تطرف، وفي بعض الأحيان عنفًا إلى عنف.

 

وبعد..

ليس المقصود في هذا المقال التوقف عند جميع التأثيرات الإيجابية للوسطية على الوضع الاجتماعي والسياسي، ولكن المهم هو إدراك حاجة العصر وحاجة وضع الأمة الإسلامية إلى الوسطية لتحقيق نهضتها وتنميتها. فلا تنمية بدون استقرار، ولا استقرار بدون وسطية. وإن من واجبات المسلمين اليوم إبراز وسطية الإسلام ترشيدًا للفهم والممارسة، ومعالجة مختلف تشوهاتهما.

---------------

* هذا المقال ورقة شارك بها الدكتور سعد الدين العثماني رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية المغربي في ندوة "الوسطية في منهج وأفكار الحركات الإسلامية"، التي نظمها مركز دراسات الإسلام والعالم المعاصر بالخرطوم يوم الأحد 10/8/2008، بمناسبة حضوره للمؤتمر العام للحركة الإسلامية السودانية المنعقد ما بين 10 و12 أغسطس 2008 ، والذي حضره عدد من وفود الحركات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية ومفكرون من خارج السودان، من مصر وفلسطين ولبنان واليمن وتايلاند وإندونيسيا وسريلانكا وموريتانيا وتونس وألبانيا وكاجاكستان وباكستان وبنجلاديش والهند وغيرها.