رأيت الكثيرين الذين هالهم أمر حريق مبنى مجلس الشورى، ولكن معظم أسفهم كان على المبنى، وليس على المعنى؛ فما وجدتُ مَن حَزِنَ وتأَسَّفَ على أن مهمة مجلس الشورى قد تتأخَّر أو تتعثَّر نتيجةً لحريق المبنى، وما وجدتُ مَن استغرب كيف ستسير الأمور في البلاد إذا توقفت اجتماعات مجلس الشورى نتيجةً لتهدم أجزاء المبنى، أو الحالة النفسية التي قد تنتاب أعضاءه مما أصاب مبنى مجلسهم، بل رأيتُ هذا الأمر غيرَ واردٍ على الإطلاق؛ فالجميع يكاد يُجمعُ على أن هذا المجلس لا تأثير له على الإطلاق، وأن البلادَ تسير به وبدونه، وربما بدونه أفضل، أو أوفر على أقل تقدير، وهذا ليس انتقاصًا من أمر البحوث والدراسات و جهود بعض المخلصين فيه في إعداد تقاريرهم، ولكن ما قيمة الرأي إن كان لا يُعتدُّ به أو حتى يستأنسُ به؟!.
وهناك أغلبيةٌ في المجلس المقابل تُمضِي ما يُملَى عليها وتفرضه على الناس، وهذا الأمر جدَّدَ الحزن عندي ربما بمثل ما أصابني من حزنٍ على المبنى أو أشد.
تذكرتُ انتخابات الشورى والتي كان يجب أن تُحترم فيها معاني الشورى عند الناس، وتذكَّرتُ لجنةً انتخابيةً مررتُ بها ساعتها، ووجدت أعدادًا كثيفة من الجنود يُحيطون بها إحاطة السوار بالمعصم، وراقبتُ الموقف فإذا هؤلاء الجنود يمنعون كلَّ داخلٍ من الإدلاء بصوته، إلا من تبدو عليه أمارات الحزب الوطني، ويبدو أنَّ لهم سيما تميِّزهم، وقلت في نفسي إنهم ألغَوا الإشراف القضائي، وأتوا بموظفين يطيعونهم في استخراج النتائج التي يريدونها، فلماذا لا يسمحون للناس بالدخول والتصويت تجميلاً للمنظر العام؟!.
ولكني تذكرتُ أن الجانيَ يحاول غلق كلِّ الأبواب دونما تفكير، واللص يحاول سدَّ كلِّ المنافذ كي يحكم التدبير، وأعتذر للقارئ عن هذا اللفظ، ولكني أستشعر أن سرقة إرادة الناس هي أسوأ أنواع اللصوصية؛ فبموجبها تتم سرقاتٌ أكبر، ولكنها تلبس ثوب القانون والنزاهة، وينسى الناس المصيبة الأولى، وهي التزوير، كبرى الكبائر في شريعتنا الإسلامية الغراء، وقد تذكرتُ وقلتُ: لو أنَّ عُشر هؤلاء الجنود شاركوا في إطفاء الحريق لربما تداركوا الأمر قبل استفحاله.
إن أمر الشورى الحقيقية غاب في البلاد على كل المستويات، وحلَّ محله التعيين المباشر، أو التزوير السافر؛ فعمدة القرية يتم تعيينه ولا يُستشار أهل القرية في انتخابه، وإن قال البعض إن هؤلاء بسطاءُ لا يستطيعون اختيار مَن يمثِّلهم فما قولهم في أساتذة الكليات الذين يُعَيَّنُ لهم عميدُ كليتهم وعمداء الكليات الذين لا شورى لهم و لا رأي في اختيار رئيس جامعتهم، وقِس على هذا الأمر في جميع المستويات.
إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهو بالمنطق العقلي أغنى الناس عن الشورى؛ لأنه مؤيدٌ بالوحي- ينزل الوحي له بالآية الكريمة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، ربما ليُعَلِّمَ كلَّ مسئولٍ وكلَّ راعٍ من بعده ضرورة الشورى، والرسول نفسه ينزل على رأي صحابته في كثيرٍ من المواقف؛ من أشهرها مطاوعة الشباب المتحمس في المدينة المنورة في الخروج لملاقاة قريش خارج المدينة في غزوة أحد، رغم أن رأيه في البداية هو وأبي بكر وعمر كان الانتظار والتحصن داخلها، ويأخذ عليه الصلاة والسلام بمشورة زوجته في موقفٍ صعبٍ شديدٍ في صلح الحديبية.
إن الشورى الحقيقية ضرورة وليست صورة، وحزنُنا لحريق المبنى جدَّد حزننا لذهاب المعنى، وغياب الشورى يَسُرُّ كلَّ مستبد، وهو سببٌ أصيلٌ في معظم ما نشكو منه من مشاكل فرعية، كالغلاء والبطالة والعنوسة وغيرها، وأعتذر للقارئ عن تقليب المواجع، ولكني أومن أن التشخيص الصحيح أولى من التيه في دروب العلاج العشوائية.
--------