الصورة غير متاحة

م. أسامة سليمان

 

من يصدّق ما حدث في البيت الثاني للسلطة التشريعية في مصر ذي القرنين من عمره؟!

لم يخطر على بال أي إنسان أن يأتيَ يوم يشاهد العالم فيه حريقًا هائلاً يلتهم هذه المؤسسة بهذه الطريقة المخزية، والشاشات التلفزيونية تتنافس على رؤية هذه المأساة طوال 6 ساعات وأكثر.

 

إن خطورة الحريق تنبع من عدة دلالات؛ أولها أن المبنى المحترق يأخذ ترتيبًا متقدمًا على جميع مباني أية دولة في العالم إذا ما أخذنا في الاعتبار أن أولها هو قصر الرئاسة، ثم البرلمان بغرفتيه، ثم مجلس الوزراء فالوزارات، وعلى رأسها وزارة الدفاع، وهكذا.

 

العالم كله يعرف أنّ هذه المبانيَ تشكِّل رموزًا دلالية لقيم السيادة والقوة والإتقان.. إلخ، إنها تعبِّر عن هيبة الدولة وقوة نظامها وديمقراطية أو دستورية الحكم فيها.

 

إنها تعني وبوضوح حال الدولة في تماسكها أو تحلّلها.. في قوتها أو ضعفها.. في تقدُّمها أو تخلُّفها.. في عدلها أو ظلمها.. في حسن أو سوء الاقتداء بها، وهو ما نشاهده في حريق مجلس الشورى.

 

يذكّرنا الحريق بما حدث من تدميرٍ لبرجي التجارة العالمي في نيويورك، رغم اختلاف الفاعل والهدف، إلا أنهم يتشابهون في كونهم رموزًا للدولتين، فكيف كان رد فعل البيت الأبيض الأمريكي وقتها؟! وها نحن ننتظر ردَّ الفعل المصري تجاه أحد أهم رموز الدولة المصرية.

 

إنّ ما حدث يؤكد بما لا يدع مجال للشك حالة الترهل والشيخوخة التي أصابت الدولة "نظامًا وشعبًا" في التعامل مع الأزمات ومنع الكوارث، ويكفي مصر ما أصابها خلال الأعوام السابقة من حرائق وحوادث امتلأت بها الصحف والفضائيات، فهل أفاق النظام واتخذ خطوات سريعة ومدروسة ضد ما يحدث؟! أنّى له ذلك!!

 

ومن الدلالات القوية التي يكشفها الحريق ضعفُ النظام الحاكم الذي اعتاد التسيُّب في معالجة القيم السلبية التي تأصَّلت في أركان الدولة، وعلى رأسها الإهمال والفساد والرشوة والمحسوبية، فعلت الخيانة الأمانة وحلّت معايير الولاء والمنفعة بدلاً من معايير الكفاءة والانتماء.

 

أمّا الدلالة الأخيرة التي سأكتفي بذكرها فإنه إذا كان هذا حال الأمن المدني والصناعي في أحد أهم رموز مباني الدولة فما الحال في باقي مباني ومرافق الدولة؟! استر يا رب.

 

لا أكذب عندما أقول إنّ عينيَّ قد ترقرقتا وأنا أشاهد المأساة، واعتصر الألمُ قلبي على هذا المبنى الأثري الذي يحكي جزءًا مهمًّا من تاريخ الوطن، لكن الذي ينبغي ذكره هو ردود أفعال الجمهور المصري على الحريق من مختلف الشرائح التي تحدَّثت معها، ومن هذه التعليقات:

- رجل تعدَّى الستين من عمره ويعمل حارس أمن خاص: "دي مؤامرة من الخارج، وإسرائيل متورطة فيها".

 

- شاب مهندس: "في فضيحة حصلت وبيخلصوها بالحريق زي باقي المصالح الحكومية، يعنى بيكفوا على الخبر ماجور".

 

- رجل أعمال: "ده أكيد في واحد منهم مزنوق في قرشين، وده لزوم إعادة الإعمار، والكل ح يستفيد، وبلاش نقطّع الأرزاق".

 

- موظف بنك: "الموضوع ده ماشي مع الخصخصة، وح يبيعوا المبنى برخص التراب.. أنت عارف سعر المتر في المكان ده بكام؟!".

 

- مجموعة من الشباب: " يا عم.. وإحنا مالنا؟! دي بلدهم.. همّ كانوا عملوا لنا حاجة غير إنهم جابوا لنا الغلاء والبطالة والأمية؟! ده إحنا ورا في كل حاجة.. يروحوا في داهية".

 

- مرشح للحزب الوطني في تجديد مجلس الشورى الأخير: "أصل دي نهاية الظالمين.. همّ اللي عملوه علشان ينجحوا شوية؟! ده شوية عليه الحرق، بس لو كانوا جواه مش كنّا دخلنا الانتخابات مكانهم؟!".

 

- مواطن رفض ذكر اسمه: "همّ أعضاؤه عملوا لمصر إيه غير النهب والسلب؟! المبنى ما استحملش كدبهم ونفاقهم فحرق نفسه علشان يخّلص نفسه منهم".

 

- مواطن آخر: "ده مكان الظالمين اللي ما بيحكموش بما أنزل الله، ولازم يتحرق.. على الله يفوقوا، وده تحذير من ربنا، ويا ما ح يشوفوا".

 

- طالب جامعة "دي نهاية التزوير في الانتخابات، ويا ما ح نشوف".

 

- محلل سياسي "بس على القهوة": "ده مقصود علشان يشيلوا رأس الحرس القديم لحساب رجال الأعمال، ودي برده من ألاعيب التوريث".

 

أما آخر تعليق فكان من نصيب السيد صفوت الشريف أمين الحزب الوطني ورئيس مجلس الشورى: "أين عصر التكنولوجيا وعصر السماوات المفتوحة يا سيد صفوت في أنظمة الحريق والدفاع المدني؟! لكن الله لا يصلح أبدًا عمل المفسدين، ولعله آخر مبنى تسكنه، وكفاية عمايلك منذ الستينيات، والإعلام يشهد على الخراب اللي عمّ في مصر".

 

حقًّا.. إنها مأساة شعب بأكمله، فهل يستحق أن يدفع الثمن؟!

 

تهنئة واجبة

تهنئة من القلب أهديها إلى العروسين وذويهم، وعلى رأسهم حبيبي وأخي الدكتور جمال حشمت والد العريس، والذي أؤكد له أن الفرحة فرحتان: الأولى مناسبة عقد قران نجله الأكبر المهندس خالد، فبارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما على خير.

 

أما الثانية فهي ما تعوَّدنا عليه من أمن البحيرة في سعيه المتواصل إلى ألا ننسى أن الدكتور هو النائب الشرعي لدائرة دمنهور من خلال الحصار الأمني والتشكيلات العسكرية والعربات المصفَّحة والمدرَّعة والمسيلة للدموع وعربات المطافئ والقوات الحاشدة من الأمن المركزي؛ يصاحبها عددٌ من لواءات الشرطة.. وهلمَّ جرًّا بلا حدود، بمناسبة ودون مناسبة، وآخرها عقد قران نجله في مسجد الأتوبيس بدمنهور، وكأننا في عملية تزوير انتخابات جديدة!!  فلهم جزيل الشكر.

----

* Us_soliman@yahoo.com