صورةٌ مُفجِعةٌ تلك التي رأيتُها تطل على الشاشة وتتناقلها وسائل الإعلام والفضائيات لمبنى مجلس الشورى وهو يحترق.

 

انتفضتُ وأُخِذْتُ أيَّ مأخذ من ذلك المشهد الذي أعتبره طعنةً في تاريخٍ طويلٍ، وخنجرًا مسمومًا في حضارة عريقةٍ تغنَّينا وما زلنا نتغنَّى بها، ويبدو أنها أصبحت سلوتنا؛ حيث إننا لم نعد نملك سواها بعدما فقدنا ريادتنا، وبعدما تذيَّلنا القافلة العربية والإفريقية، وما زلنا نتغنَّى بأطلالٍ اعتبرها العرب في تطور حركة الشعر صفة من صفات الأغبياء:

صفة الطلول بلاغة الفَدْمِ       فاجعل صفاتك لابنة الكَرْمِ

 

لأن العرب كانوا دائمًا يستهلون معلقاتهم بالبكاء على الأطلال، ولكن أبا نواس لم يكن أحسن حالاً منهم، ففضَّل وصف الخمر (ابنة الكَرْم).

 

فإذا كان هذا في ميدان الشعر والأدب، فماذا لو كان البكاء والنحيب على الأطلال هو حيلة العاجز الذي لا يجد ما يقدِّمه، ولا يجد ما يدوِّنه؟!

 

احترق المبنى واحترق معه كل شيء.. احترقت معه القلوب التي عاشت تفخر بمصر الحضارة والتقدُّم.. احترقت معه العقول التي غيَّبتها المحسوبية عن قيادة الصف؛ فلا يجد الفقير غير المسنود طريقَه إلى الريادة والقيادة.

 

احترق المبنى واحترق معه تاريخ طويل لو نطق لهجانا؛ لأننا شوهناه.. احترق المبنى الرمز، واحترقت معه كل القيم الجميلة في مجتمعنا.. احترق المبنى، ولعله رسالةٌ إلى المفسدين والمتشدِّقين بمكانتنا، والتي تلاشت عن الوجود منذ ما يزيد عن ربع قرنٍ من الزمان.. احترق المبنى ونحن نشكو تقصيرنا وعجزنا عن إخماد النار، والعالم كله يتابع ما يحدث.

 

أين ذهبت جحافل الأمن المدجَّجة بالسلاح لإخماد المعارِضين في كل ميدان لحظةَ احتراق مجلس الشورى؟! أين ذهبت المدرَّعات والمصفَّحات، والتي تملأ شوارع القاهرة حين ينتفض الناس ليعبِّروا عن آرائهم في قضيةٍ من القضايا؟! أين ذهب أشاوس الداخلية ورجال الدفاع المدني، وأعرقُ المباني الحكومية في مصر يحترق أمام أعينهم؟! لماذا نضع رءوسنا في الرمال ونصرُّ على ماضٍ يشكو خوَرنا ويشكو زيفنا؟! بأي وجه ندعو إلى السياحة ونحن عاجزون عن إخماد نيرانٍ شبَّت في ذلك المبنى التاريخي؟! بأي لسان نتشدَّق ونحن قد كسانا الهم والحزن وأصبحنا عاجزين عن دفع النيران؟! هل هذه هي عدالة السماء التي اقتصَّت للمظلومين والكادحين والمحرومين لأبسط حقوقهم في الحياة؟

 

لقد عرَّى الحريق وجوهًا كالحةً تدبِّر بليلٍ كلَّ ما يُفسد على الناس فرحتهم في بلد الحزب الأوحد، والحاكم الأوحد، وفي ظل حكومة رجال الأعمال.

 

ومع هذا أعجب من تلك التصريحات التي تتفتَّق عن أذهان عباقرة حكومتنا الرشيدة وهم يخرجون وقبل أن تخمد النار ليقولوا إن السبب وراء الحريق هو "ماس" كهربائي.

 

نحن البلد الوحيد في العالم الذي يستطيع عباقرتُه أن يعرفوا الجانيَ دون أن يرَوا الضحية، وأن يُعِدُّوا التهمة قبل أن يحقِّقوا.. إننا ما زلنا نعيش عصرَ التدليس والتضليل والاستخفاف بالعقول.

 

لقد كثرت أصفارنا؛ بدءًا من الصفر الاقتصادي، مرورًا بالصفر الرياضي والصفر السياسي، والصفر الديمقراطي والصفر الاجتماعي.. إنها أصفار في أصفار في أصفار؛ ملأنا بها صحائفنا، وسطَّرنا بها دواويننا، ولعله عصر الأصفار النبيلة.

 

ما تحرَّك أحدٌ من مكانه، وما أعلن أحدٌ عن تقصيره بجسارةٍ وشجاعةٍ، ونلوم أدواتنا كالعامل الخامل والكسول، ونلوم "الماس" الكهربائي.. إذا كان هو السبب فلماذا لا تحاكمونه؟! حاكموا "الماس" الكهربائي، حاكموا المسئول عن الصيانة، حاكموا المتقاعس عن تجديده، حاكموا المسئول عن أمنه، حاكموه كما تحاكمون الشرفاء، وقيدوا حريته واحبسوه كما تحبسون خيرة أبناء الوطن.

 

ارفعوا رءوسكم مرةً واحدةً، وأعلنوا يومًا واحدًا أنكم مسئولون؛ لأن كل شيء في مصرنا يحترق: القيم والمبادئ، الأخلاق والضمير، والشعب.. كل شيء يحترق إلا الوزراء الجاثمين على الصدور.. الفضائح تتوالى، والأصفار تتزايد، ولا يعلن مسئول واحد أنه السبب.

 

إن صرخات الشعب يقتص لها أحكم الحاكمين، ومع هذا فلسنا شامتين، لكننا نأسف على مصرنا أرض الكنانة ولما حلَّ بها؛ من تأخُّرٍ في ميدان العلوم، وتراجعٍ في ميدان الاقتصاد، وانتكاسةٍ في ميدان السياسة، وغيبوبةٍ في مجال الريادة، ولا أحد يُقرُّ أو يعترف أنه لا بد أن يحاسَب لأنه المسئول.

 

الشعب يحترق، والبيوت على أصحابها تحترق، والقلوب في الصدور تحترق، والجيوب تحترق.. كل شيء يحترق أيها السادة إلا أصحاب القرار، أين هم من عُمَر الذي بكى خوفًا من الله أن يسأله عن بغلةٍ تعثَّرت لم يسوِّ لها الطريق؟!

 

هل نفيق قبل أن تحترق بقايا الأخضر قبل اليابس؟! هل نفيق قبل أن تحترق البقية الباقية؟! هل نفيق قبل أن يمتد الحريق إلى كل شارع وإلى كل حارة؟!

 

أنقذوا أنفسكم، وأنقذوا وطنكم بوقفةٍ صادقةٍ، وبشفافيةٍ لا يكون من ورائها سوى هدفٍ واحدٍ؛ أن يعيش الجميع آمنين في أسرابهم، معافين في أبدانهم.. ساعتها سيشعرون أنهم قد ملكوا الدنيا بأسره.

------

* ihab_42@hotmail.com