أ. د. حلمي محمد القاعود

قضية اللغة العربية في برنامج الحزب المستحيل ليست ترفًا نطالب به، أو مجرَّد تسديد خانة، ولكنها كما سبقت الإشارة قضية أمن قومي؛ ويجب النص عليها بالنسبة للتعليم الجامعي، خاصةً في الطب والهندسة والعلوم، ولا يقول قائل: إنَّ ذلك سيقلل من كفاءة التعليم في هذه الكليات أو يضعف الدارسين في مجال الاستفادة من اللغات الأجنبية، وما ينشر بها من نجاحات علمية.

 

أمامنا العدو النازي اليهودي في فلسطين، الذي بعث اللغة العبرية بعد موات ظل أربعة آلاف ستة، لقد جعلها لغة التعليم في كل المراحل، وهي لغة الطب والهندسة والعلوم وغيرها.

 

وبعيدًا عن التعليم فهي لغة الساسة والاقتصاديين والمثقفين والإعلاميين والفنانين وبقية فئات الغزاة مع أنهم جاءوا من أماكن مختلفة، وكانوا يتكلمون لغات عديدة.. لقد صارت هي اللغة الوحيدة التي يتكلمون بها في المحافل الدولية والمؤتمرات الصحفية والعلمية، وأجهزة الإعلام والصحف، لا يخجلون منها ولا يخافتون بها، ولا تأخذهم رحمةً بالمهاجرين الغزاة الذين يستقدمونهم إلى فلسطين المحتلة حين يُقصِّرون في استيعابها، إنهم يحددون لها وقتًا لإجادة العبرية، وإلا فهناك عقوبات تتصل بالمعونات المالية والاندماج في المجتمع والاستفادة بالوظائف والامتيازات الاجتماعية.

 

وقد خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية مهزومة مهلهلة، ورأى بعض المسئولين اليابانيين تخفيف اللغة والاعتماد على الإنجليزية.

 

ولكن المجلس القومي للتعليم رأى رأيًّا معاكسًا وذلك بتكثيف الجرعة في تعليم اليابانية للمراحل ما قبل الجامعية، والإصرار على الدراسة بها في كل مراحل التعليم والتمسك بها في مظاهر الحياة المختلفة.

 

وبالطبع لم يتخلف اليابانيون بسبب استخدام لغتهم ولم يحدث تراجع للتعليم والبحث والاكتشاف؛ فالحقائق الماثلة تقول عير ذلك ولكن البعض يتصور أن اللغة العربية هي سر تخلفنا، ويردد مقولات خبيثة عن قصورها؛ نشرها غربيون مستعمرون في فترات الاستعمار وما زالوا ينشرونها حتى اليوم.

 

لقد استطردت في الحديث عن اللغة العربية، لأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتربية الدينية التي مر عليها البرنامج مرورًا عابرًا مع أنها أساس بناء الهوية القومية والإنسانية مع اللغة العربية. ولا شك أن من صاغوا البرنامج في قضية التعليم يعلمون جيدًا أن التربية الدينية الإسلامية مهمشة في المناهج، وأنها لا تضاف إلى المجموع في آخر العام، مما دفع الطلاب إلى عدم الاكتراث بها، ودفع المدرسة إلى إنجاح الطلاب جميعًا، ولو لم يفتحوا كتابها وهو ما ترك فراغًا واسعا في ضمير الأبناء، ودفعهم إلى عدم المبالاة بالحلال والحرام أو السعي لاكتساب الثقافة الدينية من مصادر غير مؤهلة أو غير موثوقة، وهو ما يترتب عليه نتائج غير طيبة!
كنت أتمنى أن ينص البرنامج على إلزامية التربية الدينية للمسلمين وغيرهم لأن ذلك صمام أمان يحمي المجتمع من الانحرافات، ويمنع التعصب، ويفضي إلى التسامح والرحمة.

 

يتصل بالتربية الدينية ما يتعلق بالأزهر الشريف والدراسة فيه. لقد اكتفى البرنامج بالحديث عن مراجعة مناهج وخطط التعليم الأزهري والارتقاء به وتحسين جودته وربطه باحتياجات الدولة والعالمين العربي والإسلامي من دعاة وعلماء وهيئة تدريس (بند 12 ص 34).

 

لا يكفي في أمر التعليم الأزهري مجرد مراجعة المناهج والخطط للارتقاء به وتحسين جودته، فمشكلة الأزهر تحتاج إلى تغيير شامل، يعيد له مكانته التي سلبت منه، ودوره الذي ضاع، وسمعته التي تدهورت بسبب القانون 103 لسنة 1961 الذي أراد القوم من خلاله أن يكون الأزهر معاصرًا فلم يحقق المعاصرة، ولم يبق على قديمه، لقد تحول إلى كيان آخر هزيل تظهر عليه علامات الأنيميا والضعف والاصفرار. صار خريجوه مجرد كائنات مظلومة ظالمة، لا تملك أساس الثقافة الإسلامية ولا الوعي العلمي، ولا تؤدي واجبًا دينيًّا؛ لسبب بسيط جدًّا، وهو أن طالب الأزهر لم يعد حافظًا للقرآن الكريم، ويدرس نوعًا غريبًا من الدراسة يجمع العلوم القديمة (الشرعية والعربية) والمواد التي يدرسها نظيره في التعليم العام، فلم ينهض بهذا، ولم يبرز في ذاك.. وصارت حاله تثير من الرثاء أكثر مما تثير الحنق، ناهيك عما فعله بعض مسئولي الأزهر، من تقصير مدة الدراسة، وإضعاف المواد الشرعية والعربية لحساب مواد التعليم العام، وإلغاء فقه المذاهب، وقبول الطلاب الضعاف الذين يفتقرون إلى الحد الأدنى من الاستجابة.

 

كان يفترض أن يعطي البرنامج للأزهر اهتمامًا يعبر عن فداحة الوضع الذي آل إليه في حاضره، ليكون مستقبله أكثر إشراقًا، ويليق بجامعة عريقة استطاعت أن تحفظ ثقافة الأمة على مدى ألف عام أو يزيد!

 

ما جرى للأزهر، يمكن سحبه على كليات التربية إلى حد كبير، ويفترض في هذه الكليات أنها تقدم المدرسين في مراحل التعليم قبل الجامعي، من خلال تأهيلهم علميًّا وتربويًّا، وتدريبهم عمليًّا وواقعيًّا.. بيد أن الطالب في هذه الكليات ينوء كاهله بنوعين من المواد. الأكاديمية والتربوية فلا ينهض بهذه ولا يتفوق في تلك، وهو ما يقدم مدرسًا محدود الإمكانات ضعيف القدرة على تأدية واجباته الوظيفية.

 

اكتفى البرنامج في شأن كليات التربية بالحديث عن تطويرها بما يؤهلها لتخريج المعلم القادر على أداء رسالته، وهذه عبارة عامة غير واضحة.

 

كنت أتوقع أن يطلب البرنامج إلغاء هذه الكليات في مستوى الليسانس والبكالوريوس، وتحويلها إلى معاهد عليا مدتها سنتان فقط، يلتحق بها الطلاب الفائقون من خريجي كليات الآداب والعلوم واللغة العربية والشريعة وأصول الدين ودار العلوم للدراسة التربوية والتدريب العملي، بحيث لا تقبل إلا الحاصلين على درجة جيد فما فوقها، واللائقين في الهيئة، وفقًا للنظام القديم الذي كان سائدًا في الخمسينيات وما قبلها، وبذلك نضمن معلمًا يملك حدًّا أدنى من المعرفة ومدربًا على المهنة.

 

إن إعداد المعلم الجيد، يقتضي التضحية بهذه الهياكل التعليمية التي لا تحقق الجودة الحقيقية، ولو كانت تحمل مسمى كليات التربية، وزيادة سنتين في تأهيل المعلم مكسب كبير للأمة تتضاءل إلى جانبه كل التضحيات.

 

هوامش:

1- الشكر والامتنان لا يكفيان للمشاعر النبيلة والعواطف المغدقة والدعوات الصالحة؛ التي طوقتني في غرفة العمليات.. أسأل الله أن يبارك في الأحباب وأن يمتعهم بالصحة والعافية.

2- بعد أن انجلت غمرات غرفة العمليات قيل لي إن الحاج حسن عاشور قد سافر إلى دار الخلود! سقطت دمعة حارة تلخص عمرًا عشته مع مدير تحرير (الاعتصام)- رد الله غربتها. أما التفاصيل فلها موضع آخر بإذنه تعالى. رحمه الله. 

3- حين تكون شيوعيًّا أو علمانيًّا أو فنانًا متحررًا (!)، فتأكد أنك عند الوفاة بعد عمر طويل- إن شاء الله- سيظهر اسمك في الفضائيات وستملأ برامجها، ولا تتوقف الصحف عن ذكرك.

رحم الله إبراهيم شكري ومن قبله ومن بعده عبد العظيم المطعني وعبد الوهاب المسيري وحسن أيوب وحسن عاشور وأمثالهم!.

---------------

* drhelmyalqaud@yahoo.com