ما الذي يدفع مجموعةً من الأوروبيين لا تربطهم بالفلسطينيين صلة دين أو رحم أو جوار أو لغة إلى ركوب البحار ومواجهة الأخطار في سبيل الوصول إلى قطاع غزة وكسر الحصار عنه ولا يثنيهم عن هذه الغاية تهديد الصهاينة باستعمال العنف ضدهم؟!

 

وما الذي يدفع رجلاً اسكتلنديًّا وزوجته إلى تحمُّل مشقة السفر عبر حوالي خمس عشرة دولةً أوروبية وعربية وهما يقودان شاحنةً محمَّلةً بالأدوية لقطاع غزة ليفاجَآ بمنع السلطات المصرية لهما من دخول القطاع بعد نجاحهما في قطع كل هذه المسافة الشاسعة؟!.

 

وما الذي كان يجبر السيدة ريشيل خوري على أن تأتيَ من حياة الرغد في بلدها أمريكا إلى مخيمات البؤس في رفح والتصدي بجسدها الأعزل لجرافات الموت الصهيونية في محاولةٍ منها لمنع هدم منازل الفلسطينيين وتدفع حياتها ثمنًا لهذه المحاولة بعد أن سحقتها الجرافة سحقًا؟!

 

هذه التساؤلات يمكن الإجابة عنها إذا انطلقنا من الحقيقة القائلة بأنه لا يزال في البشرية بقيةٌ من خير وعدل لا تنعدم بظهور الفساد وتفشي الظلم وكثرة الخبيث، وإن آلة القوة والجبروت لا تستطيع أن تخمد صوت الضمير، وإنه لا يزال للأخلاق متسع في عالمنا وإن طغت لغة المصالح وساد قانون الغاب، ولعل هذا بعض دلالات الآية الكريمة: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف: 181).

 

لكن قومًا من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا لم يسعهم هذا الجانب المشرف من الإنسانية، مع أنهم أحقُّ بنصرتنا من هؤلاء الأعاجم الذين لا يربطنا بهم رابط سوى الإنسانية.

 

ويا ليتهم حين لم ينصرونا اكتفوا بالصمت والقعود مع القاعدين، إذاً لهان الأمر على عِظَمه، لكنهم سارعوا إلى إظهار أعلى درجات الموالاة لأحبتهم الصهاينة والأمريكيين؛ ليس عجزًا عن مواجهة القوة العظمى التي لا تستطيع انتشال نفسها من أوحال العراق وأفغانستان ولبنان وغيرها؛ فلو كان الأمر كذلك لأمكن مغافلتها ببعض التسهيلات الجزئية على الأقل من قبيل إخراج المرضى والعالقين وإدخال الأدوية والمواد الضرورية، أو حتى إعادة العالقين المصريين إلى ديارهم- وهي العملية التي لا تحتاج إلى أكثر من نصف الساعة- ولكنها رغبة من أنفسهم في إجهاض أية تجربة حكم نظيفة وإن كان ذلك على حساب معاقبة مليون ونصف المليون إنسان؛ فمن يألف العيش في الأوساخ والقاذورات تسيئه حياة الطهر والنظافة؛ لأنها تفضحه وتكشف سوأته.

 

بينما يُحضر الأجانب الأدوية والمواد الطبية لأهالي قطاع غزة ترشِّح تسريبات إعلامية عن خطة جهنمية أعدَّتها قيادة المنطقة السوداء في رام الله ضد قطاع غزة تنصُّ بنودها على وقف الرواتب والمساعدات وتشديد الحصار ووقف تمويل وإرسال الوقود الصناعي إلى محطة الكهرباء والطلب من كل البنوك الفلسطينية وقف كافة خدماتها وإغلاق أبوابها إلى إشعار آخر في القطاع، ومنع تحويل الشواكل حتى تصبح العملات الأخرى بلا قيمة، بالإضافة إلى تحريض العالم على إرسال قوات عسكرية لاحتلال قطاع غزة.

 

هل بقي بعد هذه المعلومات الصادمة عاقل يؤيد هؤلاء ويعدهم فصيلاً وطنيًّا أو حتى يساوي خطيئتهم بأخطاء سلوكية يمكن تداركها لفصائل أخرى؟!!

 

أما نظام الحكم في الدولة العربية المجاورة لقطاع غزة فلا يهمه جريمة استمرار إغلاقه معبر رفح وتسببه في إعدام حوالي مائتين وخمسين مريضًا حتى الآن، وما زال العدد في ارتفاع مع كل يوم جديد؛ فتارةً يبرِّر الجريمة بعدم التوافق الفلسطيني الداخلي، وكأن اختلاف الفصائل الفلسطينية يعفيه من مسئولياته الدينية والقانونية والقومية والإنسانية تجاه المرضى والعالقين في القطاع، وتارةً يُرجع السبب إلى اتفاقية لم يكن طرفًا في التوقيع عليها، رغم أن هذه الاتفاقية استنفدت مدتها بعد أن مُدِّد العمل بها مرتين، ورغم أن الاعتبارات الإنسانية مقدَّمة على كل الاتفاقيات، فضلاً عن أن هذه الاتفاقية لا تلزمه بشيء؛ لأنه لم يوقع عليها، ويستطيع فتح المعبر من جانب واحد.

 

لو كان حكام مصر صادقين في سعيهم إلى فتح المعبر لما عدموا الحيلة القانونية لذلك، أسوةً بالقائمين على سفينة كسر الحصار القادمة إلى القطاع الذين أكدوا على لسان إحدى المشاركات- وهي الناشطة البريطانية هيلاري سميث- أنهم لن يطلبوا إذنًا من الاحتلال الصهيوني بدخول قطاع غزة؛ لأنه لم يعد يحتله ولن يسمحوا لجنوده باعتلاء السفينة.

 

هذه الثغرة القانونية في وضع قطاع غزة التي استفاد منها الناشطون الأوروبيون تستطيع مصر أن تستفيد منها بشكلٍ أكبر لعدم الوجود العسكري الصهيوني فيه بخلاف البحر، وتقول بنفس المنطق إنهم لن يطلبوا إذنًا من الكيان الصهيوني بفتح المعبر؛ لأنه لم يعد يحتل قطاع غزة.

 

لكن ماذا نقول إذا كان حرص بعض العرب على ذبح غزة يعادل حرص الاحتلال إن لم يكن يفوقه؟!!

--------

* صحفي فلسطيني- abu-rtema@hotmail.com