إذا كانت هناك ثلاثُ مهامٍ رئيسية لرجال المرور؛ فأظنها على الترتيب: حفظ أرواح الناس وسلامتهم، ثم سهولة انسياب السير في الشوارع، ثم سلامة المركبات، ومع بدء تطبيق قانون المرور الجديد، لا ننسى أن نعترف بالجهد المبذول من القائمين عليه ضباطًا وجنودًا، فأغلبهم يقف بالساعات الطوال، نراهم حولنا في أماكنَ كثيرة، وكثيرٌ منهم نلمسُ فيهم الإخلاص والرغبة الصادقة في تحسين أحوال المرور بقدر ما يستطيع، إلا أن عندي ملاحظتين أظنهما جوهريتين، ربما تلقيان آذانًا صاغيةً، إن كان هناك من يتابعون آثار القانون الجديد، ولهم صلاحية تطويره للأفضل:
أولاً: المتابعة الميدانية
أكاد أجزم أن نسبةً كبيرةً ممن يرتكبون الحوادث الجسيمة، التي تحصد الأرواح الكثيرة، تكاد تبدو عليهم الرعونة والإهمال في أسلوب قيادتهم، فهذا الشاب الذي عبر المحور من أيامٍ قليلة، وارتطم بسيارةٍ وميكروباص قادمين من الطريق المقابل، فقفز الميكروباص من أعلى المحور، ليهبط متحطِّمًا، فيُقتل ويُجرح الركاب، لا أظن أن هذا الشاب، صاحبَ لعبة العبور الأخير هذه إلا أن طريقة قيادته لسيارته تكاد تدل وتنذر بما قد يفعل، حتى وإن استكمل كل مطلوبات القانون الجديد من مثلث وحقيبة وخلافه.
إنني أحيانًا أرى سيارةً تسير بسرعةٍ والتواء، وفرملةٍ مفاجئة، وانطلاقةٍ رعناء، فأقول في نفسي هذه بصدد عمل حادث قريب، حتى وإن استوفت كلَّ أوراقها، إن رجل المرور الراكب وليس المتكدس مع زملائه حول الإشارات المزدحمة وسط المدينة، هو الذي يمكن أن يرى هذه السلوكيات الرعناء ويوقفها، ويُنزلَ بها أقسى عقاب.
وهذه التريللا التي حادَت عن الطريق فصادفت زميلاً أعرفه، ركن سيارته خارج نهر الطريق العائد من الساحل الشمالي، وذهب ليشتري تينًا، فأكلته التريللا، هو وبائع التين وكل من كانوا واقفين حولهم، وأولاده في السيارة من خلفهم ينظرون، ويا لقلب تلك الزوجة أو أحد أولادها إن كانت هي التي أشارت على زوجها رحمه الله بشراء التين.
إنني أظن أن هذه التريللا قبل هذه الحادثة كان لها غالبًا من سلوكها أو من سلوك قائدها نذير، يمكن للمتابعة الميدانية أن تضبط مَن يقوم بمثل هذه الحوادث قبل وقوعها، وأقصد متابعة السلوكيات وليس الأوراق والشكليات.
إنهم يسمون جرائم المرور بالجرائم المتحركة؛ ولذلك فتلافيها يحتاج أيضًا إلى متابعة ميدانية راكبة، تتسلح بالضمير وبالصلاحية للضبط وإنفاذ التحذير أو العقوبة، وبالنزاهة والتعفف عن الرشوة للتغاضي عن هذا المخالف، و كل هذه أمورٌ لم ألحظ أن القانون تعرض لها؛ فالقانون قائم على العقوبات فقط، وأي قانون كي تدب به الروح يجب أن يكون به أخذٌ وعطاء، وحقوقٌ وواجبات، وإلا فالتحايل على الشكليات أمرٌ اضطر الناس للتعود عليه، كلما وجدوا القانون فقط يسلبهم أكثر مما يخدمهم، ويدقق على الشكل والمظهر دون الجوهر والمخبر.
ثانيًا: الحلول المجانية
هناك ازدحامٌ مُبرَّر في بعض الشوارع، وتبريره كثافة السير فيها، ولندع هذا الآن ولكن هناك ازدحامٌ غير مُبَرَّر مطلقًا؛ لأنه فقط يحتاج إلى تنظيم بسيط من رجل المرور؛ لذلك أسميته حلاًّ مجانيًّا، وهذا مثل الشوارع الفرعية، التي أصبحت الكثافة فيها تحتاج إلى أن يكون السير فيها باتجاه واحد، وإلا ازدحم الطريق من منتصفه، ووقف الناس يتجادلون، وربما يتشاجرون، كلٌّ يدَّعي أولوية السير له، والشارع خالٍ من طرفيه، والأمر ميسورٌ حلُّه بقليلٍ من العلامات وبعض المتابعات من رجال المرور، وهناك اقتراحٌ مثلاً أظنه جديرًا بالدراسة، ويخفف كثيرًا من ازدحام شارعي فيصل والهرم، وهو جعل أحدهما كله داخلاً، والآخر راجعًا، مع توحيد اتجاه الشوارع الفرعية بينهما بعد دراسة سهولة الانسياب بينها.
إن الحلولَ كثيرةٌ، وميسورةٌ لو اعتمد رجالنا في إدارات المرور على الضمير والنزاهة وصلاحية التصرف، وهي أمورٌ صعبةٌ ويسيرةٌ في نفس الوقت، والله المستعان.