التبست علينا الأمور، وأصبح الإنسان في أوطاننا حيران؛ هل هو مظلوم أم ظالم؟ هل هو الضحية أم هو الجاني؟ هل هو المسئول عما يجرى له أم غيره؟.. كلها أسئلة تنبع من واقعٍ لم يفرِّق بين الحق والباطل، ولم ينصف المظلوم ولم يأخذ على يد الظالم! واقعٍ تجاوز حدوده ولم يلتزم بحق أو عدل أو مساواة فنتجت منه الحيرة التي حذرنا منها الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان حتى أصبح الحليم حيرانَ!

 

فلا شك أن أنظمة الحكم في بلادنا جنت على شعوبها وأخرجتهم من إطار الكرامة الإنسانية التي تتمتع بحريتها وإطار المعيشة الكريمة التي تتمتع فيها الشعوب بثرواتها التي منحها الله إياها؛ أي أن حكامنا بامتياز قذفوا بنا في منظومة الخوف والجوع، وهما علامتا ومحددتا الحياة الآمنة التي ذكرها رب العزة في قوله تعالى ﴿ لإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ (قريش).

 

إذن.. نحن الشعوب من ضحايا حكام الفساد الذين جعلوا البحث عن لقمة العيش مأساة، ومن حماية النفس ملهاة، ومن تحصيل الحقوق بيسر أزمةً بل أزمات، وحولوا حياتنا إلى مسلسلٍ من الجباية اقتصاديًّا، ومن الغواية أخلاقيًّا، ونفذوا ذلك في إطارٍ من العنف والبلطجة وغياب القانون؛ وهو ما شجَّع البعض من الشعوب على سلوك آخر كنا فيه نحن الشعوب من الجناة لا من الضحايا!

 

فالقهر الذي يمارسه البعض منا في بيته على زوجته وأبنائه مهما كانت دوافعه أو مبرراته لهو من الظلم الذي نهانا عنه الإسلام الذي أمرنا فيه بالشورى كي تبقى الأسرة هي الشراكة المؤسسة لمجتمع ووطن قوي لا يقبل الظلم أو الاستبداد!، وكذلك العنف الذي يملأ حياتنا بيننا وبين بعض في المعاملات أو في المؤسسات، كالمنزل والمدرسة، لهو من البلاء الذي ابتُلينا به في هذا المناخ الذي جعل للقوة مكانة وصار اللجوء فيه إلى الحق مهانة!

 

الكذب والمبالغة، والتعسف والتغابي، والصلف والكبر، والنفاق والانسحاق، صارت لغة التعامل اليومي فيما بيننا بعيدًا عن معاني الصدق والشهامة والتواضع والتراحم الواجبة في حق أبناء الوطن الواحد، وهو ما يسعد المتحكمين في رقاب العباد في مصر، بل ويشجعون على انتشاره تمكينًا لهم في البقاء، وكما نكون يُوَلَّى علينا!

 

على مستوى الأوطان يقبع حكام الوطن العربي في سجل الجناة على شعوبهم، وبالتيعية أصبحوا ضحايا لنظام دولي وظفهم لخدمة أهدافه ومشروعه، وهم لا شك يستحقون ما هم فيه، وتبقى خطوط العلاقات بين الأنظمة العميلة والقوى الدولية مشدودة تارة في اتجاه العملاء طالما كان الضحايا من الشعوب، وتارةً أخرى في اتجاه الهيمنة الدولية إذا ما طالت الأخطار أحد المشروعات الإقليمية أو الأفراد المتواطئين مع النظام العالمي!

 

وهنا تظهر أسلحة من نوع جديد على العالم برع فيه أهل الغرب بما يملكون من رحابة في عالم الأفكار وحرص على حقوق الإنسان فيما بينهم، وإصرار على الريادة الحقيقية؛ منها السلاح الإعلامي، وسلاح حقوق الإنسان، وسلاح العدالة الدولية، وصار الجميع هنا ضحايا لتلك الأسلحة حتى من شاركهم منا في منظمات المجتمع المدني المهتمة بحقوق الإنسان، ورغم تبنيهم أجندة الغرب في نظرته لحقوق الإنسان، والتي يتعارض بعضها مع قيم وأعراف مجتمعاتنا وللأديان فيها القول الفصل، خاصةً أن الدين أحد مكونات هذه الشخصية في تلك المنطقة، ولا يمكن بأية حال من الأحوال تجاهله! لذا أتعجب من هذه المنظمات التي تجزِّئ مهمتها حسب الصوت والتيار الأعلى! ورغم صداقتي لكثير من القائمين على هذه الجمعيات إلا أن الحق يستلزم منا العمل على فتح أبواب الاستقلالية لهذه المنظمات حتى تصبح الإرادة الحرة هي الفاعل الرئيسي عند تناول حقوق الإنسان في بلادنا والكلمة الصادقة هي التي تنحاز إلى حرية الأفراد وحرية الأوطان.

 

ولعل مثال فتح التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري في لبنان هي أوضح الأمثلة على ما أذكر؛ حيث بعد كل هذه الأعوام من التحقيق والقرارات الدولية وكل هذه الضغوطات لم يُقدَّم واحد إلى المحاكمة، بينما تغيَّرت الخريطة السياسية وتوازن القوى في المنطقة تحت ابتزاز العدالة الدولية!!

 

المثال الآخر هو تقرير المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس السودان عمر البشير، وقد كتب فيه عمالقة القانون وفقهاء العدل بما فيه الكفاية توضيحًا للسوابق التي أهدرت استقلال القضاء في أمريكا وبلجيكا وفرنسا والكيان الصهيوني، وهو ما يدعيه البعض سببًا لعدم تقديم مجرمي الحرب؛ منهم الذين ثبت تورطهم في جرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي والاغتصاب الجماعي كما حدث في العراق وأفغانستان وفلسطين والشيشان والصومال، ويمكن مراجعة مقالتَي الدكتور سليم العوا في (المصري اليوم)، خاصةً أن المدعي العام نفسه ليس فوق مستوى الشبهات؛ فقد اتهم في قضية تحرش واغتصاب كما نشرت الصحف.

 

لا شك أننا نقف في الغالب مع الضحايا من شعوبنا، وفي النادر مع حكامنا، خاصةً عندما يكون في كل مرة الحاكم ممن قال لا للهيمنة والإجرام الدولي ضد عوالمنا العربية والإسلامية المستضعفة! لن يقبل أحد أن يكون القضاء الدولي أو العدالة الدولية هي الحلقة الأولى في عودة الاحتلال إلى بلادنا! ولم ولن يكون الهدف من الموقف الرافض تسليم البشير حمايته الشخصية أو حماية أي حاكم عربي أهدر حقوق شعبه وابتعد عن التصالح مع أبناء وطنه في الوقت الذي يحتضن فيه أعداء الوطن والدين ويطبِّع معهم العلاقات معهم في الوقت الذي يعادي أبناء جلدته ويطاردهم ويغلق أمامهم منافذ الحرية والعيشة الكريمة! لا بد أن نعيَ أن الهدف هو السودان الحلقة الأهم في أمن مصر القومي وليس البشير، ومن يتجاهل ذلك فهو مع الجناة وليس في صفوف الضحايا!!

 

لقد اختلط الحابل بالنابل حقًّا، ودور العقلاء والنخب المحترمة المحبة لقيم العدل والحرية والمساواة التي رفع الإسلام من شأنها أن توضح الفوارق وتبين الحدود الفاصلة بين الجناة والضحايا، وهي شهادة حق لا يجوز لأحد منهم أن يتأخر عن الشهادة بها، ولكي ندرك أن جزءًا كبيرًا مما أصابنا من بلاء وابتلاء نحن شركاء في صنعه بالصمت أو بالمشاركة، وصدق الله العظيم ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

 

دبوس مشبك

الأستاذ الحقوقي حافظ أبو سعدة كتب مقالاً أفردت له جريدة (الدستور) قلب الصفحة الرابعة تحت عنوان "من مع الجاني ومن مع الضحية"؛ انتقد فيه كل من وقف ضد قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لاعتقال البشير، معلنًا موقف منظمات حقوق الإنسان المصرية بأنها ضد البشير كحاكم قاتل لشعبه ومع الضحايا من شعبه دون تمحيص للمواقف الدولية السابقة ولا لما هو بعد ذلك من تدخل أجنبي طامع في ثروات السودان التي تكفي العالم المحتاج بعيدًا عن الطمع الغربي والهيمنة الأمريكية التي نجحت في توظيف سلاح حقوق الإنسان؛ ليس دفاعًا عن الضحايا وما أكثرهم! بل دفاعًا عن مصالحها!!

 

وأذكِّر الأستاذ حافظ أبو سعدة بأنه وقف مع الجناة يومًا ما عندما وقف مع صديقه د. مصطفى الفقي بعد أن قبل مقعدًا ملوَّثًا بالعار، وطل علينا من الفضائية المصرية بعد الانتخابات بأسبوع ليشكك في شهادة المستشارة نهى الزيني وشهادة القضاة الذين أداروا العملية الانتخابية (151 من 160 قاضيًا؛ منهم 5 من الأقباط المسيحيين الشرفاء) دفاعًا عن الجاني!!

 

الأستاذ حافظ الذي التزم الصمت عندما رددنا مستشار محكمة النقض رئيس الدائرة التي أصدرت تقريرًا معيبًا جامل فيه مرشح الرئاسة وسرَّب ما يدور داخل دائرته! وحذرناه بإنذارٍ على يد محضر رفضت محكمة النقض قبوله! وكانت كل هذه التجاوزات ليتخلصوا من عار التزوير كما ظنوا ولن ينالوا هذا الشرف.. الأستاذ حافظ الذي التزم الصمت بعدما علم أن هناك بلاغًا قُدِّم مني وآخر من نادى قضاة الإسكندرية إلى النائب العام ضد المستشار نصار لتزويره في النتيجة النهائية يوم 25 أكتوبر 2005م وحتى اليوم لم يتم التحقيق فيه بينما تتسارع التحقيقات في أمورٍ لا تستحق ولا قيمة لها فور التقدم بها.. وبصمتك عن مناصرة الضحية هنا فأنت مع الجناة يا أستاذ حافظ!!

----------------

g.hishmat@gmail.com