لماذا تنظرون دائمًا إلى نصف الكوب الفارغ ولا ترون النصف الملآن؟! لماذا أيها المعارضون دائمًا للحكومة والنظام تكثرون من القَدْح ولا تعرفون المدح؟! لماذا تنصبُّ أحاديث الرأي العام وبريد القراء على العيوب والذنوب ولا تلتفت إلى الجهد الدءوب؟! لماذا مداومة الانحياز ضد ما يتم من إنجازه؟!
ثم لماذا هذا النظرة الحاقدة لمن يرتاد مرتفعات القطامية وملاعب الجولف والمنتجعات السياحية وخلجان بورتو مارينا؟! ألم يقسِّم الله تعالى الأرزاق؟! وأين الرضا بما قسمه الله؟! وهل كثيرٌ على مصر أن يكون فيها أغنياء كما أن فيها فقراء؟! أليس الرضا للفقراء أفضل من الحقد على الأغنياء؟! لماذا حديثكم دومًا عن غلاء الأسعار وقلة المساكن، وزيادة البطالة وزيادة العنوسة، وازدحام المرور واختفاء الرغيف، وتصدير الغاز إلى اليهود وازدياد الرشوة، والفساد والتزوير؟!
هل بات واحدٌ منكم يومًا دون عشاء؟! وهل نسيتم ما يُشيَّد من مصانع وما يُشَقُّ من طرق، وما يُقامُ من كَبَارٍ وما يُفتتح من مشروعات كثيرة، وما يُبذل من مجهودات وفيرة؟! ثم إن كان هناك فسادٌ فهل نسيتم أن الحكومة ليست وحدها هي المسئولة؟! فالحكومة هي أفرادٌ من الشعب، وحيثما تكونوا يُولَّ عليكم، فلماذا لا تبدءون بإصلاح أنفسكم أولاً ثم بعدها تحاسبون أنظمتكم؟! ثم هل نسيتم الزيادة السكانية التي تبتلع المليارات التي توفرها الحكومة من الإصلاح والخصخصة؟!
أين المخطئ إذن؟! أنتم أم الحكومة؟ وأي النصفين من الكوب أولى بأن نراه؟ ثم لماذا تنتقدون حكم القضاء في قضية العبَّارة وتشيدون بالقضاء المصري عندما تصدر أحكامه على هواكم؟! هل كلُّ صاحب أسطولٍ بحري مسئولٌ عن كل عطل يحدث في إحدى سفنه؟!
كل هذه التساؤلات قد تكون لها قشرةُ منطق، ولكن يغيب عنها لُبُّ الحقيقة؛ فالشعب والناس في مصر لا يزعجهم الفقر، وليس من طباعهم الحقد، وليس من ديدنهم الشكوى، وإنما يغضبهم الظلم؛ لسان حالهم يقول: أعطني القليل مع العدل ولا تَمُنَّ عليَّ بالكثير مع الظلم.
لقد مرَّت أيامٌ عصيبة على هذا الشعب كما سمعنا بعد نكسة 67؛ فقدَّم التضحيات وسالت منه الدماء، وقدَّم الشهداء وربط الأحزمة على البطون راضيًا محتسبًا؛ لأنه لمح بصيص عدل، وكان القائد في الجيش يحارب بجانب جنوده ويتصدى قبلهم للمخاطر، والعدوُّ واضحٌ متربصٌ على حدود وطنه، والجميع يلجأ إلى الله تعالى، فما سمعنا من ضجرٍ ولا شكوى.
إن ما يزعج الناس ويغضبهم هو السبب وليس النتيجة، هو الظلم وليس قلة العيش، وليس عند الناس من حقدٍ نحو الأغنياء إلا أن يشعروا أن هؤلاء جمعوا ما جمعوا بالاحتكار والرشاوى وإضاعة حرمة المال العام، وما كان ضجرهم من حكم العبَّارة إلا لما أحاطها من ملابسات مريبة من تهريب صاحبها وفرض الحصار على ما يُقدَّم إلى القاضي من مستندات والحرص على التكتم على ملف الشركة والمساهمين فيها والأصدقاء المقرَّبين لصاحبها، أما قاعدة حيثما تكونوا يُوَلَّ عليكم فقد أفسدها النظام بظلم كبير هو تعميم التزوير وتأميم الانتخابات.
إن علينا أن نفهم هذا الشعب حتى لا نظلمه، هذا الشعب يصبر ويتحمَّل ويرضى بما قسم الله له، ولكنه لا يرضى بالظلم، وما زال الكثيرون من المخلصين فيه يحاولون زيادة نصف الكوب الملآن قدر جهدهم ولكن الكوب لن يبلغ تمامه إلا بزوال الظلم أو الظالمين.. عن قريبٍ بإذن الله.