الصورة غير متاحة

 محمد عبد الفتاح دُهيم

كثُر الكلامُ مؤخرًا عن الفساد والظلم والاستبداد وما لَحِقَ بالبلاد من تخلفٍ مزرٍ وتبعيةٍ مظلمة لأعداء الأمة، وقد تعددت التحليلات والكتابات والندوات والمؤتمرات حول تشخيص العلل والأمراض التي أصابت المجتمع والأمة على يد الأنظمة المستبدة الظالمة الفاسدة، والتي تعاقبت على مدى النصف قرن الأخير.

 

وكان السؤال الملح: ماذا بعد؟ كيف يكون الإصلاح، كيف يبدأ، مَن يقوم به، مَن يقود الإصلاح والتغيير، وخصوصًا أن مصر قلب العالم العربي والإسلامي؟.. وأن مصر ليست ملكًا لحاكم أو مجموعةٍ من المستفيدين مصاصي الدماء الذين يستولون على ثروات هذه الأمة وينشرون الظلم والفساد في أرجاء المجتمع، ولكن مصر لأهلها الحقيقيين وهم الشعب الذي يعاني على مدار تقلب الأجيال وتعاقبها.

 

نحاول هنا أن نضع ملامح إستراتيجية لبدء الإصلاح في مصر كمرحلةٍ أولى من إستراتيجيةٍ عامة ذات ثلاث مراحل، وحتى تؤتي جهود الإصلاح والتغيير ثمارها بإذن الله، لا بد من الأخذ بالأسباب وتضامن كافة قوى الشعب ومؤسسات المجتمع بإصرار ودوام حتى يمكن تجفيف منابع الفساد والظلم والاستبداد سيرًا نحو مصلحة هذه الأمة وخير أبنائها ومستقبل أجيالها.

 

المنطلقات

1- الحرية حق للإنسان كما ولدته أمه وفريضة من فرائض الإسلام نحافظ عليها.

2- الإصلاح مهمة نبيلة، وهي مهمة الأنبياء.

3- العمل الجماعي فريضة.

4- ما نطالب به يشكل مساحات مشتركة يتفق عليها الجميع.

5- أن أعداء الأمة العربية والإسلامية "قوى النظام العالمي الجديد" نجحوا حتى الآن في إحداث هوة واسعة بين الأنظمة والشعوب في الدول العربية والإسلامية.

6- الأيدي المرتعشة لا تبني أمةً ولا تُقيم نهضةً، والأحرار هم الذين يقيمون نهضةَ الأمم.

7- نحن نتعبد إلى الله بأقوالنا وأفعالنا وممارستنا وكافة جهودنا.

 

إستراتيجية بدء الإصلاح

هذه المرحلة الأولى من الإصلاح تتكون من ثلاث إستراتيجيات، وكل إستراتيجية تتكون من عددٍ من الخطط والبرامج التنفيذية مع توضيح مَن يقوم بالتنفيذ وما هي المخرجات وتكلفة هذا الإصلاح، وهذه المرحلة هي أساس للمرحلتين الثانية والثالثة حيث يُرجأ الحديث عنهما.

 

هذه المرحلة الأولى ترتكز على حرية الإنسان وكرامته وعزته وكافة حقوقه الشرعية، هذه المرحلة تركز على إطلاق الحريات في مصر واحترام حقوق الإنسان الذي كرَّمه الحق تبارك وتعالى وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)) (الإسراء).

 

الإستراتيجية الأولى:

"أن يكون للإنسان المصري كل الحرية والعزة والكرامة، في الداخل والخارج، متمتعًا بكافة حقوقه الشرعية".

 

ونحتاج لتحقيق هذه الإستراتيجية عددًا من الخطط والبرامج كالأتي:

1- برنامج مراجعة لكل الجهات الأمنية بلا استثناء لتعود إلى مهامها الأصلية والشرعية منضبطة بالمتابعة والتصويب.

2- الحظر التام الفوري للإهانة والتكدير والإرهاب والتعذيب وغير ذلك من التجاوزات في السجون والمعتقلات، وأقسام الشرطة وحظر انتهاك حرمات الأفراد والبيوت؛ وذلك بناءً على خطة تتضمن في جزءٍ منها تأهيل رجال الشرطة المعنيين.

3- خطة قصيرة الأجل للإفراج عن معتقلي الرأي والمحالين ظلمًا إلى المحاكم العسكرية، قرابة عشرين إلى خمسة وعشرين ألفًا.

4- خطة لإصلاح وتطوير عناصر العملية الانتخابية حتى يمكن إجراء انتخابات حرة نزيهة "دون تدخلات أو تجاوزات أو تزوير والإصرار على ذلك تحت كافة الظروف".

5- برنامج مراجعة لمناهج كلية الشرطة ولوائحهم وخططهم التدريبية، بما يعزز إعلاء كرامة الإنسان المصري وحريته وحرمته، وبما يعيد الشرطة إلى مسارها الصحيح.

6- حملة لنشر ودعم ثقافة احترام الإنسان وتوقيره من كافة الأجهزة بدءًا بمؤسسة الرئاسة والحكومة وكافة الهيئات والمؤسسات والمرافق والخدمات.

7- إعداد وتكوين المسئولين على خطاب الاحترام الفائق للمواطنين أهل هذه البلاد.

8- وضع خطة تضمن احترام حقوق الإنسان المصري ومراعاة حرمته وتقديم أعلى مستوى من الخدمات في كافة وسائل الاتصالات والمواصلات.

9- برنامج لإعداد وتربية هياكل أطقم السفارات والقنصليات المصرية في الخارج وكافة إدارات وأقسام وزارة الخارجية على الدرجة القصوى من احترام الإنسان المصري ورعايته وإنجاز أعماله "بدلاً من احتقاره وتعويق أعماله واعتباره دنسًا عديم الحقوق........".

11- الامتناع الفوري عن تصدير الفتيات والسيدات من أهل مصر لدول الخليج وإلغاء اتفاقيات الذل والمهانة إلى أبرمتها وزارة القوى العاملة الغائبة عن الوعي، ووضع خطة لعلاج وتدارك ما تم في السابق.

 

الإستراتيجية الثانية:

"تصويب وإصلاح الدستور وإلغاء القوانين المعيبة والمسيئة لأهل البلاد".

ونحتاج لتحقيق هذه الإستراتيجية لعدد من الخطط والبرامج كالأتي:

1- خطة لتعديل الدستور وإصلاح وتصويب المواد المعيبة والتي كانت محل رفض.

2- خطة لإلغاء القوانين المعيبة سيئة السمعة والتي أساءت كثيرًا لأهل هذه البلاد ووقف القوانين التي تجهز للتمادي في الإساءة ومنها:

* قانون الطوارئ/ قانون الإرهاب.

* قانون الأحزاب.

* قانون المدعي الاشتراكي.

* قانون انتخابات الرئاسة.

* قانون مجلسي الشعب والشورى.

* قانون مباشرة الحقوق السياسية.. وغير ذلك من القوانين.

3- برنامج لحماية الأسرة والنظام الاجتماعي في البلاد، ويتضمن:

* إلغاء تعديلات قانون الطفل الأخيرة والتي تمثل اعتداءً سافرًا على قيم ومقومات الأسرة وهوية الأمة.

* خطة إلزام لأجهزة الأمن التابعة لوزارة الداخلية بإعطاء الأمن الاجتماعي وأمن الشارع، وأمان الحياة الاجتماعية في مصر، إعطائهم أهميةً بالغةً بدلاً من الإهمال الجسيم الذي ساد في العقود الأخيرة.

* إلزام الدولة والحكومة بتوفير أسباب المعيشة الكريمة للأفراد والأسر غير القادرين عليها "وهم أكثر من نصف المجتمع" بدلاً من ترك عصابات النظام تنهب ثروات البلاد وتستولي على حقوق أهلها.

 

الإستراتيجية الثالثة:

"أن تكون الدولة والحكومة وكافة هيئاتها ومؤسساتها وأجهزتها، معبرةً تعبيرًا صادقًا عن توجهات الشعب وهوية هذه الأمة دون حالة الانفصام والاستفزاز السائدة منذ عقود".

 

ولتحقيق هذه الإستراتيجية نحتاج إلى تنفيذ بعض الخطط والبرامج كالآتي:

1- خطة لإلغاء اتفاقية كامب ديفيد وإزالة آثارها "والتي يرفضها الشعب المصري المجاهد".

2- وضع برنامج لفك حصار غزة بصفة دائمة ومد كافة أنواع الدعم لشعب فلسطين المجاهد.

3- خطة لوقف وإلغاء اتفاقية تصدير الغاز المصري إلى العدو الصهيوني، وكذلك الاتفاقيات التجارية مع العدو.

4- مناصرة كافة القضايا العربية والإسلامية قولاً وفعلاً ودعمها بالطرق الممكنة.

5- إذا كان الشعب المصري انتخب "128" عضوًا في مجلس الشعب من جماعة الإخوان المسلمين ووصل منهم "88" عضوًا فقط وابتلع النظام الأربعين الباقين، فكيف تغالط الدولة والحكومة مدعين أن الجماعةَ ليست قانونيةً وليست شرعية، والمطلوب وضع برنامج لممارسة الجماعة كافة صلاحياتها دون ملاحقة وتنكيل واستفزاز، والنظام الذي يقوم على الغش والتدليس والتزوير ونهب اقتصاد البلاد وثرواتها... وغير ذلك من العورات والسيئات هو نظام فاقد للشرعية بكل المقاييس.

 

مَن يقوم بالتنفيذ؟ وما مهمة المثقفين وقادة الرأي؟

ونتساءل ما مهمة المثقفين؟ وما وظيفة أهل الفكر والرأي في المجتمع؟

هل ينتظرون الأحداث للتعقيب عليها وكتابة المقالات والتحليلات هنا وهناك حولها، بالتأكيد ليست هذه هي المهمة إنما هي جزء من المهمة والجزء الأكبر والأهم هو قيادة المجتمع في الإصلاح والتغيير وتبني قضاياه، فالمثقفون وأهل الفكر والرأي هم قيادات المجتمع في الإصلاح والتغيير. والإجابة عن السؤال هي:

يقوم بالتنفيذ الشعب المصري بقيادة المثقفين وأهل الفكر والرأي، ولا يستطيع أي نظام أيًّا كان أن يواجه رغبة حقيقية وإصرار شعب بمثقفيه وقادة الرأي فيه يبتغون الخير والإصلاح ويسعون إلى أمة حرة قوية يسود فيها الحق والعدل، أمة نظيفة من الظلم والفساد والاستبداد، أمة أفرادها: أحرارًا يعيشون بعزة وكرامة، ولاءهم وانتماءهم لعزة بلادهم ونهضتها وصدارتها بين الأمم، والأمر يتطلب إجماعًا أو شبه إجماعٍ من الشعب وكافة مثقفيه ومفكريه وقادة الرأي فيه؛ لأن هذا التحرك الجامع لا يستطيع أحد إيقافه لأن الشعب هو صاحب المصلحة في الإصلاح والتغيير بالدرجة الأولى.

 

وليس لأي نظام الحق في جر البلاد إلى هوة التخلف والتبعية والانحطاط وليس من حقنا شعبًا ومثقفين وقادة رأي، أن نسكت على الانتهاكات التي يقوم بها النظام واستبداده وما تسبب فيه من ظلم وفساد، على الأقل من منطلق حقوق الأجيال القادمة علينا.

 

وعلى مَن يقوم بالتنفيذ وضع إستراتيجية للحركة بوسائلها المختلفة الفعالة والمتدرجة والمتباينة والتي تبدأ ببناء الوعي والرأي العام القوي المؤثر حتى يتحقق الهدف؛ وذلك دون العنف، علينا صدق التوجه وحسن الاستعداد، قال الله تعالى: (وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: من الآية 94).

 

فترة التنفيذ والتكلفة

هذه الإستراتيجيات منها قصير المدى بمدة سنة أو أقل ومنها متوسطة المدى بمدة ثلاث سنوات، والمقترح أن تكون الإستراتيجية الأولى متوسطة المدى والثانية والثالثة قصيرة المدى.

 

ويعتمد هذا على همة مجموعات العمل التي يشكلها المثقفون في المجالات المختلفة ومدى استجابة النظام للإصلاح من عدمه، فالاستجابة تجعل الأمور ميسرةً ونحن جميعًا أبناء هذا الوطن الواحد، نبغي التقدم والرفعة والنهضة للأمة، وعدم الاستجابة يُصعِّب الأمور وقد يطيل الفترة الزمنية ولكن مع الحركة العامة والشاملة والإصرار والدوام، ومن قبل الفقه والوعي العميق بهذه الإستراتيجيات وسبل تنفيذها ستتحقق الخطط والبرامج وتتحقق المرحلة الأولى من الإصلاح ?وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ?.

 

وإذا تحدثنا عن التكلفة، فالمقصود هنا المواجهات والاستفزاز والاعتقالات والسجون وغير ذلك حتى يستجيب النظام قهرًا أو تفهمًا لتنفيذ البرامج والخطط الإصلاحية، والمعروف أن مثل هذه الأنظمة لا تستجيب بسهولة لدعاوى الإصلاح وستقوم بعرقلة جهود الإصلاح بكل الوسائل للحفاظ على الكراسي والمصالح، بالإضافة إلى أن الشعب يحتاج إلى جهود كبيرة منظمة ومنتظمة ودائمة حتى تتم الاستجابة لدعوة الإصلاح في مرحلته الأولى.

 

ومن المعينات الكبرى لتحقيق الأهداف إخلاص النية لله سبحانه وتعالى والاستعانة والثقة في نصرته لعباده والأخذ بالأسباب والتحمل ابتغاء مرضاته والنفس الطويل.

 

ونؤكد أن:

الهدف هنا هو أمة حرة أبية قوية بأبنائها ودولة وحكومة تعمل ليلَ نهارَ على رفعة ونهضة هذه الأمة من خلال مواطنين بكامل الحرية والعزة والكرامة، دولة وحكومة تعمل في خدمة هذا الشعب وتعمل أجيرة عند أفراد هذه الأمة، وهي الخطوات الأولى لأمتنا على طريقة النهضة الشاملة والصدارة والخيرية.