لا تكف تركيا عن إدهاشنا حتى في السياسة بصراعاتها التي لا تهدأ؛ حتى جعلت المحكمة الدستورية تنظر الآن في محاكمة رئيس الجمهورية بتهمة تهديد نظام الدولة التي يدير شئونها!
(1)
هي بلد المفاجآت السياسية بامتياز؛ الأمر الذي دعا سليمان ديميريل رئيس الجمهورية الأسبق إلى القول بأنك في تركيا لا تستطيع أن تعرف ماذا سيحدث خلال الأربع والعشرين ساعة التالية؛ لذلك فلا غرابة في أن تكون إحدى أهم مشكلات الصحفيين هناك أنهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى الركض واللهاث طوال الوقت وراء مسلسل الأحداث التي لا تستكين.
أحدث حلقات ذلك المسلسل وقعت أمس (الإثنين) حين بدأت المحكمة الدستورية في نظر دعوى المطالبة بإغلاق الحزب الحاكم وحرمان قياداته من العمل السياسي؛ في مقدمتهم رئيس الجمهورية المنتخَب ورئيس الوزراء.
وفي الوقت ذاته يجري الإعداد لمحاكمة 88 شخصًا آخرين يُشتبه في انتسابهم إلى أخطر منظمة في التاريخ التركي المعاصر، بتهمة الإعداد للقيام بانقلاب ضد الحكومة في العام القادم.
المشهد من الخارج يبدو صراعًا بين حزب العدالة والتنمية الذي يُلاحق قادته وأعضاؤه بتهمة خلفيتهم الإسلامية وبين قوى التطرف العلماني، لكنه في حقيقته صراع بين نخبة محدودة احتكرت السلطة منذ ثمانين عامًا والمجتمع الذي أعرض عنها وصوَّتت أغلبيته للطرف الذي اقتنعت بأنه الأصدق في التعبير عنه.
الباحث التركي البروفيسور محمد ألتان وصف ما تشهده البلاد الآن بأنه انتقال في الجمهورية التركية الأولى إلى الجمهورية الثانية.
الأولى هي دولة "الاتحاد و الترقي"، وتلك المنظمة السرية التي أطاحت بنظام السلطان عبد الحميد الثاني بواسطة المؤامرات السرية ثم حكمت تركيا منذ مطلع القرن العشرين إلى قيام الجمهورية.
ويعتقد الأستاذ ألتان ومعه عدد من المثقفين الديمقراطيين أن جمعية الاتحاد والترقي تناسلت واستمرت منذ حكم أتاتورك وحلفائه إلى يومنا هذا، وهي تقوم على عقيدة نخبوية تزدري الشعب وتعادي الدين وتحصر امتياز الحكم في نخبة ضعيفة ذات رسالة تبشيرية تنويرية.
ولأجل الحفاظ على امتيازات حكمها فإنها لا تتورع عن استخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة.
أما الجمهورية الثانية فهي التي تطوي تلك الصفحة فتستبدل حكم الشعب بحكم النخبة المحتكرة وتتصالح مع الدين ولا تعاديه.
(2)
في شهر مارس الماضي قدَّم المدعي العام التركي عبد الرحمن يلشن قايا طلبًا إلى المحكمة الدستورية العليا دعا فيه إلى حظر حزب العدالة والتنمية الحاكم ومنْع 71 شخصًا من قياداته وأعضائه من ممارسة النشاط السياسي لمدة 5 سنوات بتهمة استهداف النظام العلماني ومحاولة قلبه.
قدًّم الرجل 17 ملفًّا إلى المحكمة حفلت بالأدلة والقرائن التي استند إليها في دعواه، وكان منها أخبارٌ نشرتها الصحف تحدَّثت عما يلي:
- اتجاه الحكومة إلى تجميع الحانات التي تبيع الخمور في أماكن معينة بالمدن.
- منع بلدية إستانبول إعلانات مايوهات البكيني في الميادين العامة.
- تخصيص حافلة ركاب لطالبات ثانوية الأئمة والخطباء في إستانبول.
- تصريحات أردوغان (رئيس الوزراء) بعد قرار المحكمة الأوروبية بشأن حظر الحجاب، التي قال فيها إن موضوع الحجاب يجب أن يُسأل فيه العلماء.
- اتهام رئيس بلدية (من أعضاء الحزب الحاكم) بأنه روى ذات مرة طُرفة (نكتة) عن أتاتورك.
- قول رئيس البرلمان السابق بولنت أرينج إنه لا يؤمن بالعلمانية بشكلها المطبَّق في تركيا.
رغم أن هذه الادعاءات المضحكة كلها انبنت على أخبارٍ نشرتها الصحف التي هي إحدى أدوات الصراع؛ إلا أن المدعي العام استند إليها في اتهام الحزب الحاكم بأنه يسعى إلى تقويض النظام العلماني ويعمل بصورة خفية على إقامة دولة إسلامية!.
المحكمة الدستورية قبلت بإجماع أعضائها الأحد عشر النظر في دعوى الحظر؛ حيث لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تبحث فيها قضية من هذا النوع؛ إذ منذ تأسيسها في عام 1963م قامت بحظر 24 حزبًا؛ كانت الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية أو الكردية في المقدمة منها؛ إذ في عام 1970م قضت بحلِّ حزب "النظام العام" الذي أسَّسه نجم الدين أربكان، وفي عام 1988م حلَّت حزبًا آخر أسسه أربكان باسم "الرفاه"، وفي عام 2001 قضت بحلِّ حزب ثالث أسسه باسم "الفضيلة"، ومعروفٌ أن الجيش كان قد قام عام 1980م بانقلابٍ أدَّى إلى حظر آخر لأربكان باسم حزب "الخلاص".
أغلب الظن أن المدعي العام حين قدَّم طلبه إلى المحكمة الدستورية كان مطمئنًا إلى أن أعضاءها يقفون في صفه؛ فأعضاء المحكمة تم اختيارهم بواسطة رئيس الجمهورية السابق أحمد نجدت سيزر، وهو بدوره علماني متطرف، وكان من أعداء حزب العدالة والتنمية؛ علمًا بأن بعض أعضاء تلك المحكمة ينتمون إلى الطائفة العلوية المعادية تاريخيًّا لأي إجراء له صلة بالانتماء الإسلامي.
وجديرٌ بالذكر في هذا الصدد أن اثنين من الشخصيات العلوية تولَّيا حقيبة وزارة العدل في السابق؛ هما: محمد موغو لتاي وحكمت سامي ترك، وأثناء وجودهما على رأس الوزارة انخرط في سلك القضاء عددٌ غير قليل من العلويين؛ تدرَّج بعضهم في سلك الوظيفة حتى وصلوا إلى المحكمة الدستورية العليا.
(3)
أمس بدأت المحكمة مداولاتها حول موضوع القضية، ويُفترض أن تُصدر قرارها بشأنه قبل أن ينتهيَ شهر أغسطس، إلا أن تفجير الموضوع كان له تأثيره على الوضع الاقتصادي منذ الأسابيع الأولى؛ ذلك أنه خلال السنوات الخمس التي قضاها حزب العدالة والتنمية في السلطة شهدت تركيا استقرارًا ونهوضًا اقتصاديًّا غير مسبوق؛ ففي حين كان معدل الاستثمار الأجنبي قبل وصول الحزب إلى السلطة أقلَّ من مليار دولار سنويًّا فإذا بهذا الرقم يتضاعف ويصل إلى 22 مليار دولار في عام 2007م، وحين أُعلن عن رفع قضية إغلاق الحزب اهتزَّت الأسواق بسرعة فانهارت البورصة بنسبة 7%, وهي أعلى نسبة للهبوط منذ سبع سنوات، وارتفعت نسبة الفائدة وزادت نسبة التضخم، وخلال أسبوعين فقط من رفع الدعوى هربت إلى الخارج رءوس أموال قُدِّرت بـ15 مليار دولار.
وإزاء ذلك لم يكن غريبًا أن تسوء سمعة تركيا الاقتصادية؛ حتى إن مؤسسة "ستاندارد آند بورز" العالمية المختصة بتقييم البلدان حسب متانة وضعها الاقتصادي قامت بخفض درجتها من الموجب إلى السالب؛ الأمر الذي يعني أن الدعوى التي رفعها المدعي العام لم توجِّه الضربة إلى حزب العدالة وحده، وإنما أصابت بدرجة أكبر الوضع الاقتصادي لتركيا.
(4)
الأخطر من قضية حزب العدالة والتنمية كانت قضية الشبكة السرية التي تحمل اسم "أرجنكون"، ويُشار إليها في الأدبيات السياسية التركية بأنها "الحكومة العميقة" التي تضم مجموعةً من الشخصيات البارزة التي يجمع بينها تطرُّفها العلماني والولاء للتعاليم الأتاتوركية بما تتضمنه من مخاصمةٍ للتعاليم الإسلامية، وهي في ذلك تقتفي أثر العلمانية الفرنسية المعادية للدين على عكس الإنجليزية المتصالحة معه.
فجر الجمعة 21 مارس الماضي قامت وحدات مكافحة الإرهاب بمداهمة 22 عنوانًا مختلفًا في إستانبول وأنقرة وألقت القبض على 14 شخصًا؛ بينهم ثلاثة أسماء لامعة من أركان الصف الأول في تيار التطرف العلماني: الأول إلهان سلجوق رئيس تحرير جريدة (جمهوريت) التي أسسها أتاتورك، وتعد لسان حال الأيديولوجيا الكمالية، ودوغر بير ينجك زعيم حزب العمال التركي (الحزب الشيوعي الوحيد ذو المسحة القومية المعترف بشرعيته)، وكمال علعمدار أوغلو الرئيس السابق لجامعة إستانبول الذي في عهده تشددت الجامعة في منع الحجاب، ومن هؤلاء أيضًا قائد الجيش الأول السابق الجنرال المتقاعد خورشيد طولون، وقائد قوات الدرك السابق الجنرال شنر أرويفور الذي يرأس "جمعية الفكر الكمالي".
هذه الاعتقالات تمت في سياق التحقيقات الأمنية الجارية منذ شهر يونيو من العام الماضي في قضية شبكة "أرجنكون"؛ حيث عثرت الشرطة في أحد منازل إستانبول على مجموعةٍ من الأسلحة المستخدمة في عمليات إرهابية، كالقنابل اليدوية والمواد المتفجرة، وتم آنذاك اعتقال 39 شخصًا؛ بينهم عددٌ من ضباط الجيش المتقاعدين والأكاديميين ورجال الأعمال والصحفيين.
ذكرت صحيفة (صباح) أن المداهمات التي تمت في مارس الماضي أدَّت إلى ضبط وثائق تحدثت عن خطة للانقلاب على الحكومة التركية تضمنت البدء بتقويض ثقة الرأي العام في الحزب الحاكم وإثارة الجماهير ضدها قبل الضغط لإسقاطها.
ونشر الكاتب علي بايرام أوغلو في زاويته بجريدة (الفجر الجديد) المؤيدة للحكومة نصَّ مقالة لجنرال متقاعد نشرتها صحيفة (جمهوريت) في الثالث من فبراير الماضي، (قبل تقديم دعوى حظر الحزب), قال فيها ما نصه: "الإسلام السياسي يحكم تركيا اليوم، ولم يَبْقَ أمامنا سوى إبعاد حزب العدالة والتنمية عن الحكم، والخطوة الأولى في هذه الحملة هي رفع دعوى ضده بعدما أصبح مركزًا للممارسات المناهضة للعلمانية أمام المحكمة الدستورية من قِبل مدعي عام المحكمة العليا وصولاً إلى حظر نشاطه".
تحدثت الصحف التركية عن أن الثلاثة الكبار الذين أُلقي القبض عليهم كانوا تحت المراقبة الأمنية منذ يناير الماضي، وأن مكالماتهم الهاتفية سُجِّلت؛ مما أعطى للمحققين إشارات قوية تحدثت عن تحضيرهم لعمل انقلابي ضد الحكومة، كما بيَّنت أن إلهان سلجوق رئيس تحرير (جمهوريت) كان على معرفة مسبقة بالدعوى التي ستطالب المحكمة الدستورية بحظر حزب العدالة والتنمية وفرض الحَجْر السياسي على قادته.
(5)
حتى إذا تم حظر الحزب فإن أعضاءه سيشكِّلون حزبًا آخر، والذين سيمنعون من ممارسة العمل السياسي يمكن أن يرشِّحوا أنفسهم كمستقلين، وستظل أغلبية أعضاء البرلمان في صالح حزب العدالة؛ الأمر الذي يعني أن خسارة الحزب ستكون محدودةً بالمقارنة بالخسارة التي يمكن أن تلحق بشبكة "أرجنكون" التي يتعرَّض رموزها للمحاكمة في أول مواجهة مباشرة للقضاء التركي معهم خلال ثمانية عقود؛ حيث ظلوا خلال تلك المدة بمثابة تنظيم "شبحي"؛ تتيقن الطبقة السياسية من وجوده، لكن أحدًا لم يتعرَّف على شخوصه الذين ظلوا يحركون خيوط السياسة التركية طوال الوقت في الظلام.
إنها المعركة الأخيرة والضربة القاضية لتيار التطرف العلماني الذي مُني بهزائم متتالية في ظل تنامي سلطة الشعب وظهور قوى ديمقراطية كسرت الوصاية المفروضة والتزمت بالعلمانية التي هي حجر الأساس في النظام الجمهوري التركي، ولكن بمفهوم إيجابي يؤمن بالمجتمع ويتصالح مع الدين، كما يتصالح مع التاريخ الذي عانده المتطرفون وتمسَّكوا بإدارة عجلته إلى الوراء طوال 80 عامًا.
-----
* (الأهرام) 29/7/2008م.