الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي والإسلامي هي نتيجة ومحصلة الحقبة الاستعمارية التي قسمت الحدود بين البلاد العربية، وصنعت نخبًا إداريةً وسياسيةً واقتصاديةً وعسكريةً على يديها، ثم سلمتها قيادة هذه الدول، وها نحن وبعد عقود من الزمان وتطورات عجيبة وتقلبات شديدة؛ نصل إلى قرب نهاية المطاف بالنسبة لهذه الدولة الوطنية الحديثة، ونبحث جميعًا عن مخرج من سلسلة الأزمات التي وصلت إليها، ولا نكاد نقترب من إصلاح ما إلا ونجد أنفسنا نخرج من مأزق إلى مأزق؛ حتى تفاقمت مآزقنا معها وبها؛ لأنها هي نفسها كدولة وصلت إلى مأزق مستحكم وشديد.
معالم الفشل لا تخطئها العيون، والدراسات العلمية وصفت طريق الإصلاح، ولكننا اليوم نجد أن هناك إصرارًا عجيبًا على تفكيك هذه الدولة والنكوص عن شعارات الاستقلال والسيادة والإرادة الوطنية؛ باستدعاء النخب للقوات الأجنبية والتدخل الخارجي لفرض الإصلاح أو إنقاذ المواطنين من بطش السلطة الوطنية أو حماية حقوق الإنسان من النزاعات الأهلية، وكل ذلك باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
مظاهر الفشل كثيرة؛ فقد تآكل انتماء الأجيال الشابة لهذه الدول، وبدا لهم حلم الهجرة بأي ثمن إلى خارجها هو الحل السحري لمشاكلهم، ولو دفعوا حياتهم ثمنًا لتحقيقه!.
الانسداد السياسي في معظم الدول أحد مظاهر الفشل؛ فقد تبدَّدت جدوى المشاركة السياسية عند الناشطين والفاعلين السياسيين في نظم تكلَّست على وضع يجعل حزبًا حاكمًا في السلطة إلى الأبد، ومعه نخبة فاسدة ومفسدة من الإداريين والاقتصاديين، ودكاكين للمعارضة في صورة أحزاب هامشية؛ لا أمل لها في الوصول إلى الحكم مطلقًا إلا بثورة أو هبَّة شعبية أو انقلابات عسكرية كانت نتيجتها أكثر مأساويةً من الأوضاع التي سبقتها.
الوضع الاقتصادي ليس أفضل من السياسي، وباستثناء الدول التي تعيش على ريع الثروات النفطية، والذي يتمتع المواطن العادي بأقل عائد منه، بينما تتكدَّس الثروات في خزائن الغرب وبنوك اليهود الذين يرون أنفسهم أحق بالثروة؛ لأنهم هم الذين اكتشفوا البترول واستخرجوه وكرَّروه وصدَّروه لبلادهم؛ ليدير مصانعهم ويحقق نهضتهم الصناعية والاقتصادية الكبرى؛ فإن بقية الدول الوطنية العربية تعيش وضعًا اقتصاديًّا كارثيًّا؛ حيث ينتشر الفقر والبطالة ويسود الفساد والكساد، وتكدَّست الثروات للوكلاء والسماسرة، وغاب الصنَّاع والزرَّاع، وانتهت تجارب التنمية الاقتصادية إلى فشلٍ مدوٍّ؛ تبددت معه ثروات البلاد في تجارب تنموية غير جادة، وانتهت مئات المصانع إلى أطلال وخرائب، وتم تسريح ملايين العمال وتشريدهم ليصبحوا قنابل اجتماعية موقوتة ينتظر الجميع انفجارها في أية لحظة.
بقية مظاهر الحياة في الدولة الوطنية تعاني من نفس الآثار الكارثية لفشل الدولة ومأزقها؛ فالجوانب التعليمية والثقافية والاجتماعية والبحث العلمي وغيرها؛ تعاني من فقدان البوصلة وانعدام الروح والتدهور المريع وغياب التمويل المالي، حتى ظهر ذلك في آثار نفسية وصحية على روح وجسد المواطن العربي؛ الذي يعاني من تدهور كافة المرافق والخدمات، خاصةً في مجال التعليم والصحة، ويعاني من انهيار المهن المختلفة حتى تلك التي تتمتع بحرية العمل بعيدًا عن سيطرة الدولة كالمهن الحرة.
الدولة الوطنية التي كانت محل فخر الأجيال السابقة واعتزازهم حتى سماها البعض "الدولة حبيبتي"؛ أصبحت عليلةً مريضةً على شفا الموت والوفاة.. المصيبة أن تلك الدولة توحشت وتغولت وتدخلت في كل صغيرة وكبيرة في حياة البشر؛ بحيث اعتمد الناس عليها في كل أمورهم، وأصبح انهيار الدولة مؤذنًا بخراب كبير وفوضى عارمة في حياتهم، ولذلك أصبح مأزقهم هو مأزقنا نحن، وإنقاذها إنقاذًا لأنفسنا.
آخر مظاهر مأزق الدولة الوطنية هو تفكُّكها وتفتُّتها إلى دويلات، حتى قبل أن تتشكَّل كما في فلسطين؛ فها نحن نرى العراق والصومال والسودان في الطريق إلى التفكيك، وفي الطريق دول أخرى، وهناك من يرسم الخرائط في الدوائر الاستخباراتية الأمريكية والأوروبية استعدادًا لذلك اليوم أو تمهيدًا له وتخطيطًا محكمًا في نظر البعض.
تداعت هذه الخواطر إلى نفسي وفكري وحرمتني النوم ليالي طوالاً ونحن نعيش ذكرى ثورة يوليو؛ إحدى محاولات النخب المصرية إصلاح الدولة الوطنية والخروج بها من مأزقها، فماذا كانت النتيجة؟!
ها نحن اليوم نتدارس وثيقة "مستقبل مصر" كأمل للخروج من المأزق أيضًا؛ شارك في صياغتها ووقَّع عليها كثير من النخبة التي شاركت في بناء الدولة من قبل، وساهمت في الوصول إلى هذا المنعطف الخطير.
وبمزيد من التأمل ندرك أن المشكلة ليست مصرية فقط، ولا حتى عربية خالصة، بل هي تمتد من معظم بلاد العالم الإسلامي بالذات، وهذا يجعلنا نفكر في عامل خارجي له اليد الطولى في صنع الدولة الوطنية وتربية وصياغة النخب العسكرية والإدارية، واحتضان النخب الاقتصادية، ومحاولة فرض نموذج اجتماعي على البلاد الإسلامية.
وعندما وصلت تلك الخطط إلى مأزق البديل الإسلامي الذي انطلق من إيران وامتد إلى السودان؛ كان القرار بتفكيك الدول الوطنية وتحطيمها، لعل الركام الناتج عنها يؤخِّر ويعطِّل التحدي الحضاري الوليد؛ الذي ما زال جنينًا لم يخرج إلى الحياة بعد.