![]() |
|
محمد السروجي |
تؤكد التجربة التاريخية للحوار بين فتح وحماس منذ 1988م وحتى دعوة الرئيس عباس للحوار في يونيو 2008م، أن قيادة فتح لا تلجأ عادةً إلى الحوار إلا عندما تكون مضطرةً لذلك، إما للظهور أمام الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي بأنها تُمثِّل كلَّ الفلسطينيين، أو لتوفير الغطاء لتمرير صفقاتٍ سياسية، أو لتهدئةِ الأوضاع بانتظار اجتياز مرحلة أو استحقاق منشود، ومع ضيق الوقت وندرة الفرص المتاحة ووعي الطرفان بأهمية الوحدة الوطنية وخطورة المشروع الصهيوني، فلديهما من القيادات مَن يستطيع المحاضرة في هذا الموضوع لعدة ساعات متواصلة، ثم إنَّ كلا الطرفين قدَّم من التضحياتِ والشهداء والقيادات والأسرى ما يُثبت به إخلاصه للقضية وحبه للوطن، فلماذا فُرض التحريض والصدام؟! ولماذا تاه الحوار؟! وأين المشكلة؟!
أسباب المشكلة
1- المرجعية الفكرية والعقدية:
لا توجد مرجعية فكرية وأيدلوجية واحدة مشتركة تحدد ما هو ثابت لا يقبل المساومة، وما هو متغير خاضع للتكتيك والتقدير السياسي؛ وبالتالي، فإن هذا ينعكس على البرنامج الوطني والسياسي لكلا الطرفين، وعلى تحديد الأولويات، وعلى ما يمكن تقديمه من تنازلات، وعلى رؤيةِ الطرفين الإستراتيجية والتكتيكية لمشروعي المقاومة والتسوية.
وأحد أبرز النماذج على هذه الإشكالية موضوع الاعتراف بالكيان الصهيوني، وما ينبني على ذلك من تنازلٍ عن الأرض المحتلة عام 1948م والتي تبلغ 77% من مجمل أرض فلسطين التاريخية.
2- المرجعية المؤسسية:
حيث عدم وجود مرجعية مؤسسية يحتكم إليها الطرفان، وتضبط آليات اتخاذ القرار الوطني، كما تضبط آليات التداول السلمي للسلطة، وشرعية تمثيل الشعب الفلسطيني، وتشكل منظمة التحرير الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح منذ نحو 40 عامًا مظلةً مقبولةً للطرفين، إلا أنها تعاني العديد من المشكلات وتحتاج لإجراء إصلاحات هيكلية؛ بحيث تفسح المجال لمشاركة فاعلة وعادلة للفصائل الأخرى.
3- فقدان الثقة:
وهو موقف متبادل بين الطرفين؛ حيث ترى حماس أن فتح قدَّمت الكثيرَ من التنازلات ولم تحصد شيئًا بل إنها تتهم كثيرًا من نشطاء فتح بالعمل وفق أجندة شخصية، وفي المقابل ترى فتح عدم واقعية حماس في الممارسة السياسية، وأنها سبب الحصار، بل والشقاق القائم، كما يرى هؤلاء في طريقة المقاومة التي تقوم بها حماس تعطيلاً لمسار التسوية وحلم الدولة الفلسطينية، وتوفيرًا للفرصة للكيان الصهيوني كي تتحجج بالذرائع الأمنية للهروب من استحقاقات السلام، واستمرار قمع الشعب الفلسطيني وبناء الجدار العازل والمستوطنات.
4- الموقف الإقليمي والدولي:
والمتمثل في حالة الانحياز الدائم للطرف الفتحاوي ضد الطرف الحمساوي بهدف إضعاف حماس وتهميشها منذ تسعينيات القرن الماضي؛ حيث كانت تتمُّ بمباركةٍ وضغطٍ دوليين، وكان التدخل الصهيوني والأمريكي فظًّا ومكشوفًا طوال الانتفاضة، وفي المرحلة التي تلت فوز حماس، في محاولةٍ للتأثير على صناعة القرار الفلسطيني وتقوية طرف ضد آخر ولدعم الانفلات الأمني وإسقاط حكومة حماس وحكومة الوحدة الوطنية، ثم بتهديد الرئيس عباس بوقف المفاوضات وحصار الضفة إن هو عاد للحوار مع حماس والاتفاق معها.
وأخيرًا..
من الواضح أن فتح لن تدخل في حوارٍ فعلي وجاد مع حماس إلا إذا تأكَّدت من وصول مسار التسوية إلى طريقٍ مسدودٍ، كما قد تضطر إلى حوار جاد مع حماس إذا ما استمرت الحركة في السيطرة على قطاع غزة، وخصوصًا مع قرب انتهاء ولاية الرئيس عباس في نهاية العام 2008م، وحتى هذا الحوار مشكوك في مقصده؛ لأنه لن يكون سوى حوار عابر بهدف اجتياز مرحلة جديدة.
قد يرى البعض أنه لا أمل!، ويرى البعض الآخر أن الحسمَ العسكري للضفة رغم صعوبته وآلامه، بل واستحالته إلا أنه قد يضع العصا في العجلةِ ليقف الجميع ويجد حلاًّ!.. عمومًا يبقى الأمل ما بقيت الحياة.
