![]() |
|
د. حلمي محمد القاعود |
لقد أعادت الصفقةُ التي أُبرمت بين المقاومة الإسلامية في لبنان والعدو الصهيوني في فلسطين المحتلة الأسرى العرب ورفاتهم، وعلى رأسهم أقدم الأسرى "سمير القنطار"، نظير رفات اثنين من جنوده المعتدين القتلة اللذين قُضيا بعد أسرهما قبيل عدوان يوليو 2006م على لبنان، كما أعادت إلى الأمة روح العزة والكرامة والثقة في النفس لمواجهة العدو الفاجر!
كان الغزاة النازيون اليهود يُؤكدون أن الأسير سمير القنطار لن يعود، وأنهم سيحرِّرون الأسيرَين اليهوديَّين بلا قيدٍ ولا شرطٍ، ولكن المقاومة أعلنت ووعدت أن القنطار سيعود، وأن الأسيرَين اليهوديَّين لن يعودا إلا بالتفاوض غير المباشر، ومقابل أسرى عرب من جنسيات مختلفة.
صدقت المقاومة وكذب اليهود، وشهد العالم كله بهجةَ العرب والمسلمين يوم السادس عشر من يوليو 2008م، حين عاد القنطار ورفاقه الأحياء، ورفات نحو مائتين من الشهداء؛ في مقدمتهم "دلال المغربي" الفدائية الفلسطينية الشجاعة وزملاؤها الأبرار.
على الجانب الآخر كانت الدنيا تطالع العيون الوقحة التي سالت دموعها وعرفت الحزن والألم بعد طول تبجُّحٍ وصلفٍ وعنجهيةٍ!
انتصرت المقاومة المؤمنة المحدودة، وانهزم العدوان بسلاحه الخرافي وقوته الوحشية ومنهجه الإجرامي؛ لأنه وجد من يواجهه بمنطقه وأسلوبه ولغته!
والمفارقة أن الغزاة القتلة تذكَّروا أن هنالك شيئًا اسمه "الأخلاق"؛ فراحوا يتحدثون عن المقاومة والعرب والمسلمين الذين لا يملكون الأخلاق، ووصفوهم بالسادية والكذب والسفالة والنذالة، وغير ذلك من أوصافٍ طفحت بها مقالات الصحف العبرية وتصريحات زعماء العصابات الصهيونية التي تناولت الصفقة؛ مما يُدلّل على عمق الهزيمة التي لحقت بهم جرّاء التبادل أو ما سمته المقاومة عملية "الرضوان"!
وإذا كان من الطبيعي أن يعيش اليهود الغزاة في سُعار الهجاء اللفظي، ويُحوِّلون أنفسهم إلى ضحايا لحزب الله وللعرب المتخلفين، فإن من المعيب أن يتطوع بعض الشيوعيين العرب للوقوف في الخندق الصهيوني، ويطالب بعضهم بعدم قصف من يعدّهم "المدنيين الصهاينة" بصواريخ المقاومة "قليلة الحيلة"، على حد وصفه؛ لأن ذلك عمل غير أخلاقي وغير إنساني، ويحسم المسألة بأن المدنيين هم من لا يحاربون!.
أرأيتم استغفالاً للعقول يصل إلى هذه المرتبة؟! "فإسحاق شامير" مثلاً الذي قتل كثيرًا من العرب في شبابه وكهولته لا يجوز قصفه بالصواريخ قليلة الحيلة وهو يقضي شيخوخته مستمتعًا بالهدوء في "مُغتَصبةٍ" تلفُّها الزهور والأشجار الوارفة! لقد صار مدنيًّا لا يجوز الاقتراب منه؛ لأن ذلك يتنافى مع الأخلاق.. الذين حاربوا وقتلوا وسفكوا الدماء يجب ألا يكونوا هدفًا للمقاومة بعد أن فرغوا من أداء مهمتهم "الأخلاقية" بقتل العرب وتهجيرهم.
الشيوعي التقدمي الذي يُعلِّمنا "الأخلاق" يُغالط ويضحك على عقولنا الساذجة بأن استهداف الكيان الصهيوني للمدنيين الفلسطينيين لا يُبيح للمقاومين استهداف المدنيين الصهاينة، وعلى الفلسطينيين ألا يُضيعوا حقَّهم الأخلاقي والقانوني في العيش بحرية على أرضهم وعدم تضييعه بارتكاب جرائم حرب أمام عيون العالم.. الفلسطيني هو الذي يرتكب جريمة حرب!!
ينسى الشيوعي التقدمي الذي تَأَمْرَكَ أن العالم الذي يتحدث عنه عميت عيناه تمامًا عن رؤية الحقِّ الفلسطيني طوال مائة عام، بل يُساعد على طمس الحق الفلسطيني وتضييعه، بل يُوافق علنًا على قتل الأطفال الفلسطينيين أمام كاميرات التلفزة العالمية (قتل محمد الدرة، إيمان حجو، أهل جنين...)، وعيون العالم وضعت عصابةً سوداء لتجاهل المناظر الوحشية البشعة التي صنعها المدنيون الصهاينة حينما كانوا عسكريين! والعسكريون الذي يمارسون القتل حتى الآن.
إن تخليط الشيوعيين المتأمركين في بلادنا يُعبِّر عن أزمة حقيقية تمسك بتلابيبهم حين يُغالطون أنفسهم قبل أن يُغالطوا قرَّاءهم وجمهورهم ويُقللون من قيمة التضحيات التي يُقدمها الشرفاء الحقيقيون في ميدان الواجب، ويستخدمون لغة الحساب المجرَّد (إصابة يهودي واحد مقابل مقتل خمسة مقاومين وخمسة مدنيين فلسطينيين!).
ومن قال لكم إن هذه اللغة هي المعتمدة في ميدان الجهاد؟! إن إصابة يهودي واحد مكسبٌ كبيرٌ لا تحققه آلاف الخطب وآلاف القرارات الدولية التي لا تُنفَّذ، وآلاف البيانات التي تشجب وتُدين، والمقاومة هي التي أرغمتهم على التهدئة والتفاوض غير المباشر معها.
قارن ذلك بما يحدث في الضفة الغربية في ظل الأخلاق والقانون!، تأمَّل التوغلات والقصف والتدمير والأَسْر والقتل، مع أن المقاومة لم تقصف مدنيين يهودًا!
إن الصهاينة عديمي الأخلاق والمروءة والمبادئ الإنسانية، وحوشٌ ضاريةٌ في ثياب آدمية، وهم آخر من يحق لهم أو لتلاميذ "هنري كورييل" من الشيوعيين في مصر أن يتحدثوا عن الأخلاق والمروءة والمبادئ الإنسانية، وساعة كتابة هذه السطور كان التلفزيون ينقل صورًا مروّعةً لممارسات جيش الصهاينة المجرم، وهو يُروّع امرأة فلسطينية بائسة بكلب بوليسي يُهاجمها بوحشية ويُمزِّق ثيابها، والجنود الصهاينة يتفرجون، ومنظر آخر مع طفل فلسطيني يروعه جندي صهيوني بسلاحه، والطفل يستجيب لأوامره دون أن يستطيع لها دفعًا، ومنظر ثالث يصوِّر وحشًا صهيونيًّا في زي جندي يقتل شابًّا فلسطينيًّا وهو مكبل اليدين!
ينسى البعض أن الصهاينة الذين يعيشون في فلسطين جميعهم من الغرباء والغزاة والقتلة والمحاربين واللصوص، حتى أطفالُهم مشروعاتُ قتلة ومحاربين ولصوص، ويتعلمون في مدارسهم ومعاهدهم أن العربي جبانٌ ونذلٌ وقذرٌ يجب سحقه والقضاء عليه بكل الوسائل والأساليب!
نحن بحاجةٍ إلى المقاومة لتصفّيَ القتلة النازيين وتذكِّرهم أنهم لصوص؛ سرقوا الأرض والشرف، وأنهم لن يعيشوا آمنين مع ما سرقوه واقترفوه حتى لو ظاهرهم العالم كله.
وإذا كانت عملية الرضوان لتبادل الأسرى قد أطلقت سيل الدموع والشتائم اليهودية، فإن لغة المقاومة هي التي تردعهم وتمنع طائراتهم ودباباتهم ومدافعهم من الاستمرار في القتل والتدمير والأَسْر لأهلنا المظلومين.
إن الصهاينة "عدوّ شرس وصلف وحقير"، وهو الوصف الذي أطلقه السفاح المجرم "يهود باراك" بغير حقٍّ على حزب الله في تصريحاته أمام دفعة جديدة من ضباط البحرية مساء الأربعاء 17/7/2008م، والمقاومة هي التي جعلت الصهاينة يعيشون الحزن والمهانة والمذلة بعد صفقة الرضوان على حد وصف جلعاد ابن الإرهابي آرئيل شارون (يديعوت الصادرة في 17/7/2008م).
أم جبر وشاح.. وبشار الأسد!
العجوز الطاعنة في السن أم جبر وشّاح؛ هي الأم الروحية لسمير القنطار والأسرى العرب والفلسطينيين، كانت تذهب إلى سجون العدو ومحاكمه لتساعد الأسرى الذين يحاكمهم الصهاينة أو يأسرونهم مع ابنها جبر وشاح.. المرأة العجوز التي لا تملك غير إيمانها بذلت ما تستطيع لتساعدَ وتنقذَ وتأسوَ الجراح وتشجِّع المجاهدين، أما فخامة الرئيس بشار الأسد فما زال مصرًّا على أَسْر شعبه ومحاكمته وصنع المذابح من حين لآخر؛ لتبقى طائفته على كرسي الحكم، وهي الطائفة صاحبة اليد العليا في مذابح السجون والمعتقلات والمدن؛ بدءًا من تدمر والمزة وحماة، وأخيرًا صيدنايا؛ حيث قتلت الشرطة العسكرية خمسة وعشرين أسيرًا من الإخوان المسلمين ودنَّست القرآن الكريم!
فخامة الرئيس.. لقد أغلقتُ برنامج حمدي قنديل الذي كان يستضيفك، وذهبتُ إلى أم جبر وشاح على قناة (الجزيرة)؛ فهي عجوز بمليون رجل!!
---------
* drhelmyalqaud@yahoo.com
