كان الأسبوع الماضي مهرجان انتصار المقاومة في لبنان، وكان نقطة ضوء ساطعة في ظل الظلام المخيم على العالم الإسلامي.

 

هزيمة قاسية للعدو الصهيوني الذي رضخ في النهاية بعد سنتين من بدء عملية الوعد الصادق لشروط المقاومة، وكانت الهزيمة الثانية بعد الفشل العسكري في حرب الـ33 يومًا على لبنان، والتي افتضح فيها رغم كل الدمار الذي ألحقه بجنوب لبنان.

 

اعترف وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك بأن حزب الله عدو شرس، في إشارةٍ واضحةٍ إلى أن بقيةَ الأعداء ليسوا على نفس الدرجة من الشراسة إن لم يكونوا قد انتقلوا إلى خانة المحايدين أو الأصدقاء أو الحلفاء.

 

وأشاد أكثر من سياسي ومراقب بحنكة المفاوض اللبناني وحرفيته العالية التي أدار بها جولات المفاوضات السرية عبر الوسيط الألماني إلى الدرجة التي لم يعلم العدو بالحال التي عليها الجنديان الأسيران حتى لحظة تسلم الجثث عند الحدود عبر الصليب الأحمر الدولي.

 

كل التقارير الصهيونية تقريبًا اعترفت بالهزيمة القاسية للعدو الصهيوني، وسادت أجواء الحزن والكآبة مشهد تشييع الجنديين الصهيونيين، بينما سادت أجواء الفرح والسرور كل لبنان عند استقبال الأسرى المحررين وزعيمهم سمير القنطار عميد الأسرى العرب داخل السجون الصهيونية، والذين يزيد عددهم على 11 ألف أسير، وكذلك توحد لبنان كله رسميًّا وشعبيًّا وهو يستقبل الأبطال الخمسة العائدين ومعهم جثامين الشهداء الذين عادوا لتحتفي بهم بلادهم أبطالاً في معركة النصر على العدو.

 

نجح حزب الله عبر سلسلة المفاوضات غير المباشرة وصراعه الممتد مع العدو الصهيوني في استعادةِ وتحرير كل الأسرى اللبنانيين، وفي نفس الوقت فشلت الدول والحكومات العربية، حتى تلك التي عقدت معاهداتٍ مع الصهاينة في استعادةِ أسراها.

 

كان تكتيك حزب الله يقوم على المناجزة والمقاومة وأسر جنود صهاينة لمبادلتهم بأسرى عرب، بينما يقوم تكتيك الحكومات العربية والسلطة الفلسطينية على المفاوضات والاستجداءات والمساومات والتنازلات.

 

اليوم يحق للسيد حسن نصر الله أن يقف في احتفال لبنان بعودةِ الأسرى ليطالب الحكومات العربية باتخاذ موقفٍ جاد وحاسم تجاه قضية الأسرى حتى لا يموتوا في سجون العدو.

 

واليوم يسارع العدو إلى تحذير العرب واللبنانيين، خاصةً من التجاوب مع أسلوب حزب الله في المنازلة ويستخدم الهواتف المحمولة والإنترنت ليحذر الأفراد من تأييد حزب الله والسير على منواله.

 

وأيضًا يحذر سيلفان شالوم وزير الخارجية الأسبق للعدو من التأثير المحتمل لصفقة التبادل على ملف الجندي شاليط، وأنَّ الكيان الصهيوني سيدفع ثمنًا باهظًا لتحريره وسيرضخ في النهاية لشروط المقاومة في غزة.

 

الدرس الأبرز في نجاح صفقة التبادل هو انتصار نهج المقاومة وفشل أسلوب المفاوضات، والاستسلام لوهم تعاظم قدرةِ العدو وعدم إمكانية هزيمته.

 

والمأساة الأكبر هي أن العدو الصهيوني نجح في استمالةِ الحكومات العربية أو بعضها إلى صفه، فتخلت عن المقاومة وانتقلت إلى صفِّ الحلفاء ضد إرادة الشعوب العربية، ووصل بعضها إلى تصنيف المقاومة والمقاومين في خانة الأعداء والخطر المحيط بأنظمة الحكم أو التهديد للاستقرار.

 

والمصيبة الأعظم أن يترسخ في الوجدان العربي أننا كي ننجح في منازلة العدو والانتصار عليه فإنه يجب علينا أن نعيد تجربة لبنان بحذافيرها فيكون الثمن الفادح هو تفكيك الدولة أو ضعفها وتحولها إلى طوائف متناحرة.

 

والبديل الأسلم هو أن يتحقق الإصلاح الشامل على أرضنا، وفي بلادنا بإرادةِ الشعوب، وأن يحصل التوافق الوطني على تحديد هوية الأعداء ومكامن الخطر على أمننا القومي وتوجيه بوصلةِ التحدي تجاه تلك الأخطار بديلاً عن هذا التناحر الذي دبَّ في معظم البلاد العربية وفرَّق أبناءها وشتت شملها حتى أصبح معظمها يعد في الدول الفاشلة أو التي على حافةِ الفشل، كما صنفتها مجلة السياسة الخارجية التي تصدر عن مؤسسة كارنيجي للسلام والتي وضعت خمس درجات من فاشلةٍ إلى مستقرة جدًّا.

 

لقد استثنت الدراسة سلطنة عمان فقط كدولةٍ مستقرةٍ وحيدة، بينما وقعت العراق والصومال والسودان في الدول الفاشلة، وكانت مصر وسوريا واليمن من الدول التي تعاني أخطار حالة الفشل- أي الدرجة الثانية-، وجاءت بقية الدول العربية في الدرجة الثالثة التي تتأرجح بين الاستقرار وعدم الاستقرار ويمكنها أن تتحول في أيٍّ من الاتجاهين حسب ما تقوم به نخبتها السياسية. (نقلاً عن مقال د. عبد المنعم سعيد- الشرق الأوسط- 16/7/2008م)
لقد عاشت المنطقة العربية والعالم الإسلامي قرونًا عديدةً في مواجهة الأخطار الخارجية ومنازلة الأعداء، ودفع المسلمون والعرب ثمنًا باهظًا نتيجةَ هذا التحدي ولم نصل إلى تحقيق آمالنا في التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية ولا تحقيق الاستقرار في نظمنا السياسية التي تتوافق مع ثقافتنا وعقيدتنا بسبب هذه التحديات المؤلمة التي فرضتها علينا المواجهة المستمرة مع الغرب والاستعمار العنصري.

 

واليوم وقد زرع الغرب هذا الكيان الصهيوني العنصري البغيض في وسط بلادنا ونعيش منذ ستة عقود في مواجهات مستمرة معه، وفشلت كل الحكومات العربية والليبرالية والثورية والاشتراكية والعسكرية، الملكية والجمهورية في التصدي له والانتصار عليه، حتى قال المراقبون والمؤرخون إن معظم هذه النظم هي التي ساعدت في ترسيخ الوجود الصهيوني، وهي التي وصلت اليوم إلى الاستسلام لمطالبه واليأس من مواجهته بل والمشاركة في المحافظةِ على أمنه واستقراره.

 

فهل تشير عجلة التاريخ ويدبر الله الأمور إلى الدرجة التي يتعاظم فيها مأزق الدولة العربية وتنتهي تجربة الدولة الوطنية الحديثة إلى الفشل التام ليخرج من رحمِ هذه التجربة نورٌ ساطعٌ جديد يحدد لهذه الأمة أمر دينها ويزرع فيها الأمل ويُوحِّد جهودها نحو بناءِ مستقبلٍ جديد واعد ننتصر فيه على عدونا بعد أن ننتصر على أنفسنا وهزيمتنا الداخلية، وبعد أن نُعيد بناء قوتنا ونُوحِّد طاقاتنا.

 

هل يعيد التاريخ نفسه كما حدث مع الممالك الصليبية في بلاد الشام في القرون الوسطى؟ وهل يخرج من بيننا صلاح الدين جديد ليحمل الراية ويحقق الانتصار؟

 

هل يكون ثمن الانتصار بهذا الحجم من الخسارة والفشل على صعيد إقامة الدولة الوطنية الحديثة؟ ألا يمكن إصلاح الأمور بإرادةٍ جادةٍ لكي تمثل الدولة الوطنية إرادة الشعوب وتحقق آمالها في الانتصار على أعداءنا؟!

 

حصار مصر والمؤامرة على السودان

قلبي مع السودان في تصاعد الأزمة الحالية مع المحكمة الجنائية الدولية، وقلبي أكبر مع مصر التي يجري حصارها بمسلسل الأزمات، ويشتد خوفي أن يفشل العرب في إنقاذ السودان من المؤامرة الجديدة فينفرط عقده ويتمزق إلى دويلات.

 

إذا فشل الملوك والرؤساء العرب في اتخاذ مواقف جادة فإن مسلسل حصار ومحاكمة وقتل الزعماء العرب سيستمر، وهنا يحق لنا أن نتساءل: الدور على مَن؟