ضمير السيد لويس مورينو أوكامبو المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية، الذي أصدر مذكرةً بالقبض على الرئيس السوداني لاتهامه بارتكاب جرائم حرب، فوجئنا به حيًّا ولم يمت!؛ فالرجل لم يستفزه ولم يزعجه ولم يؤرق ضميره الحي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها عتاة الإجرام طوال السنوات الماضية: الرئيس جورج بوش الذي قتل أكثر من مليون ومائة ألف عراقي حتى الآن؛ بين نساء وأطفال وشيوخ، وقام بقصف المدنيين في بعقوبة بالقنابل الفسفورية المحرَّمة دوليًّا وما زال، كما قام بقتل آلاف الأفغان وهدم منازلهم وأحرق النساء والأطفال هناك، وما زال إجرامه يشاهده السيد أوكامبو على شاشات العرض والفضائيات ليلَ نهار، ولكن ضميره الحي يعتبرها- طبعًا- جرائم عادية أو دفاعًا عن النفس، وملايين الموتى من العراقيين والأفغان طبعًا في نظره إرهابيون يستحقون القتل!.

 

وشاركه كفاعل أصلي معه في تلك الجرائم وزير دفاعه السفاح دونالد رامسفيلد وتابعه السيد توني بلير رئيس وزراء بريطانيا، وما زالت جرائمهم مستمرة وبمنتهى "البجاحة" في العديد من مناطق العالم، مثل الصومال وغيرها، ولم يرفع السيد أوكامبو مذكرةً بالقبض على أيٍّ منهم، ولن يجرؤ بالقطع على ذلك.

 

كما أن ضمير السيد أوكامبو لم يتألم ولم يتأزم ولم يؤرقه من بشاعة مذابح الكيان الصهيوني ضد أهلنا وشعبنا في الضفة وغزة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها غالبية قادة الكيان الصهيوني، حتى إنهم أعلنوا في اجتياحهم الأخير لغزة أنهم سوف يجعلونها محرقةً كمحرقة النازي، وأنجزوا ما وعدوا به، فكانت مقتلةً ومحرقةً كبيرةً راح ضحيتها العشرات من النساء والأطفال.

 

ويبدو أن السيد أوكامبو يعاني من الصمم في أذنيه؛ فلم يسمع تلك الكلمة، وأصيب بالحول في عينيه فلم يشاهد المحرقة للنساء والأطفال وتجريف الأراضي وتدمير المنازل على رءوس أصحابها.

 

والسيد أوكامبو على ما يبدو لم يسمع ولم يشاهد آثار الحصار على غزة وتجويع شعبٍ بأكمله وحرمانه من أبسط حقوق الإنسان وهو حقه في الحياة ومنع كافة المؤن والأغذية، وحرمان المرضى من العلاج والأدوية وحرمانهم من حق التنقل والسفر، وكلها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ومخالفة لكل مواثيق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف الأربعة، ولم يشاهد ولم يسمع السيد أوكامبو صاحب الضمير الحي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد المدنيين العُزَّل من شعب لبنان في حرب يوليو لدرجة ضربهم باليورانيوم المخصب، وهي أسلحة محرَّمة دوليًّا كانت تستحق توجيه مذكرة إلى محكمة الجنايات الدولية بالقبض على كلٍّ قادة الكيان الصهيوني، ولكنها على ما يبدو جرائم لم تؤرق ضمير السيد أوكامبو الذي أشك أنه ما زال حيًّا.

 

ولكن فجأةً اكتشف السيد أوكامبو أن هناك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وقعت في إقليم دارفور مركز التآمر الأمريكي والأوروبي والصهيوني على شعب السودان الذي يريدون أن ينهوا إجراءات تقسيمه إلى دويلات صغيرة متناثرة، ولا أعرف لماذا يستأسد علينا مسئولو المنظمات الدولية ويملؤهم الصلف والكبر وأمام الكيان الصهيوني وجرائمه فهم كالنعام.

 

ولعلي أذكِّر بموقف مماثل لمجلس الأمن في حرب لبنان الذي عجز عن إصدار قرارٍ بوقف إطلاق النار بعد أن استخدمت أمريكا حق الفيتو لمنع مجلس الأمن من إصدار القرار حتى ينتهيَ الكيان الصهيوني من جرائمه ومذابحه ضد الشعب اللبناني ورجال المقاومة الباسلة بمنتهى الصلف والكبر والعدوانية.

 

الشاهد أننا أصبحنا أمام هيئات ومؤسسات ومنظمات دولية باتت ألعوبة في يد الولايات المتحدة الأمريكية واللوبي الأوروبي الصهيوني، وفقدت مصداقيتها ونزاهتها وحيادها وأصبحت خادمةً للمصالح الأمريكية والصهيونية.

 

ولعله من الضروري بعد أن أصدر السيد أوكامبو مذكرته المخالفة للقانون الدولي بتوقيف الرئيس عمر البشير أن نوضح الحقائق التالية بإيجاز غير مخل:

* أولاً: أن المعاهدات الدولية لا تسري إلا على الدول الموقِّعة على نظامها الأساسي، ولا يجوز تطبيق أو إجبار أية دولة ذات سيادة على الالتزام بقانون أو معاهدة دولية لم توقِّع عليه، ولما كانت السودان ليست من الدول الموقِّعة على الموافقة على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وليست عضوًا فيها ولا تسري عليها أحكامها، فمن ثم لا يجوز إصدار مذكرة بالمطالبة بالقبض على الرئيس السوداني عمر البشير أو أي من المسئولين السودانيين؛ لمخالفة ذلك نصوص النظام الأساسي للمحكمة الذي اشترط تطبيقه على الدول الموقِّعة عليه فقط، ومن الثابت أن الدول العربية الموقِّعة على ميثاق محكمة العدل الدولية هما دولتان فقط: الأردن وجيبوتي، وليس من بينهما السودان.

 

ثانيًا: لم يقم السيد أوكامبو ولا أيٌّ من مسئولي المحكمة الدولية بزيارة واحدة إلى السودان ولا إلى إقليم دارفور، ولم يستمع لأيٍّ من زعمائها ولا قادتها، ولم يقم بأي إجراءٍ من إجراءات التحقيق التي توجب عليه النزاهة والحيدة قبل أن يصدر قراره المثير للجدل، واكتفى في الاستناد إلى إصدار قراره بشهادات معارضين غير محايدين ومقيمين في الخارج وبعض التقارير الصحفية والإعلامية المبتورة، مخالفًا بذلك نصوص النظام الأساسي للمحكمة التي أوجبت عليه التأكد من المعلومات التي توفرت له، وما إذا كانت تكفي بذاتها كي تكون عقيدةً راسخةً بصحة نسبة الاتهام لأشخاص بأعينهم من عدمه.

 

ثالثًا: قام العديد من الوفود الدولية المحايدة، وعلى رأسها منظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين واتحاد الأطباء العرب والعديد من المنظمات الدولية والعربية والإسلامية بزيارات متعددة لإقليم دارفور، ولم يلحظ أحد منهم وجود أي دليلٍ على أيٍّ من الاتهامات التي وردت في مذكرة السيد أوكامبو التي غلب عليها الهوى وعدم الشفافية ومجافاة قواعد العدالة التي ينبغي أن يتحلَّى بها المدعي العام الدولي وهو يؤدي عمله.

 

رابعًا: يتعيَّن على الدائرة التمهيدية التابعة لمحكمة العدل الدولية التي سوف تُعرض عليها مذكرة السيد أوكامبو أن تصوِّب الأخطاء الكبيرة والمخالفات القانونية الجسيمة التي وقع فيها، والناجمة عن عدم احترازه وتوخيه الحصول على المعلومات من مظانِّها الصحيحة حتى تحافظ المحكمة الدولية على البقية الباقية من مصداقيتها التي باتت محل نظر إلى حدٍّ كبير، وتحكم بعدم قبول الطلب المقدَّم من المدعي العام لمساسه بدولةٍ ليست عضوًا في المعاهدة المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، ولا يجوز ومن غير المقبول فرض وتطبيق قواعدها وقانونها عليها قسرًا.

 

خامسًا: أننا ونحن نعرِّي ونكشف الوسائل والمؤامرات الدنيئة والخسيسة لبعض المنظمات الأممية ضد أمتنا إنما نؤكد أن ذلك ليس دفاعًا عن الرئيس البشير بقدر ما هو كشف للمؤامرات ضد المواطن العربي عمر البشير وضد الشعب السوداني وسيادته على أرضه وشعبه من قِبل هيئات ومنظمات باتت أداةً طيعةً في يد الولايات المتحدة الأمريكية وتعمل وفق أجندتها، ومن ثَمَّ ينبغي أن نعتبرها- أي أمريكا- العدو رقم واحد لأمتنا العربية والإسلامية.

 

سادسًا: أننا نطالب السيد لويس مورينو أوكامبو المدعي العام أمام المحكمة الجنائية الدولية إن كان حريصًا على قواعد العدالة التي أقسم على احترامها، وإن كان حريصًا على الحفاظ على مصداقية المنظمة الدولية المسئول عن الادعاء فيها.. بأن يرفع فورًا مذكرة للمحكمة الجنائية الدولية يطالب فيها باعتقال كلٍّ من الرئيس جورج بوش الابن، ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد وآرييل شارون رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق وإيهود أولمرت رئيس وزرائه الحالي وقادة جيش الكيان الصهيوني في حرب لبنان والمسئولين عن المحرقة ضد المدنيين الفلسطينيين العزل؛ فهؤلاء هم مجرمو الحرب الحقيقيون الذين ارتكبوا من الجرائم ضد الإنسانية وضد النساء والأطفال ما يندى له جبين البشرية جمعاء خجلاً وأسفًا.

 

سابعًا: أن بعض ممثلي منظمات ومراكز حقوق الإنسان- وبكل أسف- شممنا منهم رائحة عفنة بعد قيامهم بتأييد قرار اعتقال البشير اتساقًا مع الموقف الأوروبي؛ حرصًا منهم على استمرار الدعم المادي من الدول المانحة على الرغم من أنهم يعلمون تمامًا أن القرار شابَه العوار القانوني ودافعه سياسي مائة في المائة، وضد مصلحة السودان العمق الإستراتيجي لمصر.

 

وبعد..

فإن صدور مذكرة التوقيف في حق الرئيس السوداني عمر البشير ليس إجراءً عرضيًّا، ولكنه حلقة من حلقات التآمر ضد السودان الذي يشكل العمق الإستراتيجي لمصر التي أبعدت- بكل أسف- أزمة دارفور من أجندتها رغم الخطورة البالغة لها على الأمن القومي المصري، ولا شك أن الحكام والحكومات العربية والإسلامية معنية باتخاذ كافة الوسائل للحيلولة دون إصدار المحكمة الدولية قرارَ اعتقال الرئيس البشير، وإلا فإنه- على ما نعتقد- لن يكون القرار الأخير، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ (الحشر: من الآية 2).

 

-------

* المحامي.. المنسق العام للجنة مناهضة ازدواجية المعايير للمنظمات الدولية.