تواتر فلاسفة النظم السياسية الثلاثة في مصر على البحث عن أساس لشرعية هذه النظم؛ فقد استند العصر الناصري على شرعية ثورة 1952م التي أظن أنها انتهت بوفاة عبد الناصر عام 1970م، أو بمعنى أدق يوم هُزمت مصر هزيمةً نكراء وهُزم معها نظامها وقادتها وشرعية وجودهم أصلاً.

 

ورغم أنني نشأت شابًّا في كنف هذه الثورة واستفدت من إنجازاتها، واستمتعت كغيري من أبناء جيلي بالفخر بأننا مصريون وعرب، وبأن تصريحات المسئولين لها مصداقية مطلقة؛ لأنهم كانوا القدوة أمامنا، وقد شاهدت العدل متجسدًا في عصر محمود رياض وزير الخارجية، حين كان التفوق هو الطريقة الوحيدة إلى المكانة الاجتماعية والوظيفة التي نريدها.. رغم كل ذلك وبسببه فإن مصر بعد عام 1970م قد اختلفت عن مصر السابقة عليها.

 

ولما كان السادات دخيلاً على الضباط الأحرار، فقد ابتدع لنفسه- ربما بسبب إدراكه بانتهاء مرجعية يوليو- مرجعيةً جديدةً هي حركة 15 مايو التي زجَّ فيها بكل رموز السلطة في السجون بعد أن عزَّ عليهم قبول السادات أو الاقتناع بزعامته.

 

وإذا كانت ثورة يوليو قد أسست لشرعية العهد الناصري فإن المشكلة هي أنَّ كلَّ مَن له علاقة بالثورة ظنَّ أن تضحيته بالمشاركة في الثورة تبرر بقاءه في السلطة مكافأةً على هذه التضحية، وكأنَّ الثورةَ نصرٌ مكتنزٌ بالغنائم والأسلاب، حتى صار ضباط الجيش في ذلك الوقت يتيهون فخرًا في الشوارع، حتى فُتن الشباب بهذه المهنة، وتمنَّى البعضُ أن تنزل من السماء صاعقة تُصحح الأوضاع، بعض أن ظنَّ الضباط أنهم بقدرة قادر هم الأقدر على إدارة جميع مرافق الدولة، وتدفَّق فريقٌ منهم إلى وزارة الخارجية في عمليةٍ عسكريةٍ كثيفة وكأنَّ منصب السفير مكافأة يغدقها الحاكم على أتباعه، أو هو طريقة للتخلص من خصومه ومعارضيه كما حدث مع عزيز باشا المصري الذي عينه عبد الناصر سفيرًا في موسكو في بداية الخمسينيات من القرن الماضي.

 

ثم كانت شرعية مايو 1971م هي أساس شرعية نظام السادات؛ إذْ المعروف أن فلاسفةَ النظم السياسية وفقهاء السلطان حرصوا على البحث عن شرعية لهذه النظم؛ لأنهم يعلمون أن صناديق الانتخاب والاستفتاء لا يوثق بها ولا يصدق أحد أنها طريق مضمون لتأسيس الشرعية، وإن اجتهد بعض فقهاء السلطان بأن شخصيةَ الحاكم المصري تتمتع بكارزمية خاصة تجعله أسمى من القانون، وهذه الكارزمية مرتبطة بقدرية توليه السلطة، وما دامت الصدفة أو الحظ أو أن الله هو الذي قدَّر تولي الحاكم في مصر فلا محل للحديث عن الشعب ورأيه، وإن حرصوا جميعًا على أن يحكموا باسم الشعب، وأن يقسموا قسم الولاء لخدمةِ هذا الشعب، وهم يعلمون أن هذا الشعب لم يكن يومًا من عوامل الحساب عند حكام مصر إلا عندما يريد أحدهم حشده والتظاهر بأنه يسعى إلى رضاه، وهو يزوِّر إرادته في كل حين.

 

ويبدو أن كهنة فرعون مصر الحديثة قد ألحُّوا عليه- حين يبدأ عهده ويبدي نيةً طيبةً في استشارة الشعب- بأن الشعبَ مفهوم هلامي، وأن محاولة الالتحام به هو كسرٌ للتقاليد الفرعونية التي تعتبر المواطن شيئًا وليس إنسانًا، كما أن تواضع الحاكم وتلقائيته وصراحته تسبِّب جرأة العوام فيصعب ضبطهم، ويعجز الكهنة عن ارتكاب الآثام والمفاسد بخاتم الملك الإله؛ خوفًا من هذه الجرأةِ عليهم، وقد قرأنا في الصحف خبر المواطن الذي تجرَّأ فسأل الضابط عن إثبات شخصيته وهو يريد تفتيش منزله فبدأت متاعبه ولم تنتهِ، فما بالنا بمراجعة الملك الإله أو الاستفسار عن أسباب تصرفاته؟! لأنه يسأل ولا يُسأل، يجور ولا يجار عليه، وتلك من صفات الله تعالى.

 

وقد سمَّى السادات حركة مايو 1971م بأنها حركة تصحيح أو استرداد للسلطة بعد انقلابِ رجال عبد الناصر عليه، فأصبح رئيسًا بلا سلطات، ورغم إعجابي بهذه الحركة التي سيطر فيها رئيس أعزل على كل الصلاحيات واعتقل وزراء هذه السلطات في ساعات، إلا أن هذه الحركة لا يمكن أن تحل محل شرعية التصويت الذي كان يُزوِّره وزير الداخلية ويُعلن في وضح النهار أن شعب مصر- الذي لم يذهب أصلاً للتصويت وتولت الداخلية عنه هذا العبء الثقيل- قد كلَّفه بأن ينقل إلى السيد الرئيس موافقة 99.9% من هذا الشعب، سواء على شخصه أو على قراراته.

 

ولا أنسى يوم أصدر شيخ الأزهر عام 1979م فتوى يؤكد فيها أن صلح السادات مع الكيان الصهيوني هو في مقام صلح الحديبية بين الرسول وكفار مكة، وربما أسرَّ للسادات أنه رسولُ هذا الزمان.

 

ولِمَ لا وقد أخبر السادات هيرمان أيلتس السفير الأمريكي بأنه أفضل من الأنبياء والرسل؛ لأنه بحدسه قرر زيارة الكيان الصهيوني، بينما الرسل كان لديهم توجيه من السماء، ولم يكن لهم فضل فيما قاموا به، على عكس حالته، مخلوق مسكين ولكنه يتمتع ببصيرةِ العباقرة؟!

 

وللإنصاف.. لا يزال نصف المصريين على الأقل يرون هذا الرأي في السادات، أما فقهاء السلطان في عصرنا فقد وجدوا أن بقاءَه في السلطة كيفما شاء يجد شرعيته ومبرره في أنه صاحب الضربة الجوية الأولى في حرب أكتوبر المجيدة، ثم تجرَّءوا بعد ذلك ونسبوا له نصر أكتوبر، بينما رأى الساداتيون أن النصر هو الذي حققه، على عكس الناصريين الذين يؤكدون أن عبد الناصر هو الذي أعد خطة التحرير ولم يُمهله القدر، فلم يزد السادات شيئًا سوى تنفيذ السيناريو الذي وضعه عبد الناصر؛ فأصبحت شرعية أكتوبر هي أساس شرعية نظام مبارك، ولم يجرؤ هؤلاء الفقهاء على القول بأن شرعية النظام هي صناديق الانتخاب بعد أن سَخِر رئيس وزراء مصر أمام بوش من الشعب المصري وقال له في سياق إقناعه بعدم الإلحاح على الديمقراطية في مصر بأنه شعب متخلف ويلزمه 30 عامًا على الأقل حتى يُصبح في عداد الآدميين، وبعد أن سجَّل العالم كله ما حدث للناخبين والمرشحين، ورأى دولة المؤسسات التي بقيت فيها المؤسسات جسدًا بلا روح وشكلاً بلا مضمون.

 

ومع كل احترامي لهذه الأسس الثلاثة (الثورة، مايو، أكتوبر) لشرعية نظم الحكم في مصر، فإنني أرى أن الأساس الوحيد المطلوب هو صناديق الانتخاب في بيئةٍ حرةٍ، وعلى شعب مصر تصحيح حياته بدلاً من الأنين من عجزِ نظامه وتفشي الفساد فيه، ولكنه يتفرق بالعِصِيِّ ويتجمع تكالبًا على رغيف خبز، بعد أن تمكن نظامه من أن يجعل حتى مجرد بقائه البيولوجي حلمًا بعيد المنال.

 

ولكني مستعد للتخلي عن هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ مصر للقبول بأن يكون أساس الشرعية هي كفاءة النظام في توفير الحقوق والحريات والكرامة في الداخل والخارج وحماية الشعب من الفاسدين والبَر بقسم الدستور والصدق مع النفس، بحيث يصبح رضا الناس بديلاً عن دورهم في إنشاء هيئات النظام.

 

إنَّ المشاركين في ثورة يوليو ثوار خدموا وطنهم واستحقوا منا كل الاحترام، ولا يجوز أن يكافئوا بجزءٍ من السلطة أو المكافأة الوظيفية أو المادية، وحركة مايو أعادت للسادات سلطاته، ولا يجوز أن تكون أساسًا لشرعية نظامه.

 

وأما أبطال أكتوبر فلهم عندنا كل التوقير ولشهداء الوطن كل الدعوات الصالحات، ولكن من العيب أن يؤجر مَن يقوم بواجبه الوظيفي بالاستمرار في السلطة، والأدهى منه أن تصير مصر في عصره إلى ما صارت إليه.