د. صلاح عودة الله

 

صادف يوم 13 يوليو الحالي الذكرى السنوية الثانية لاندلاع الحرب العدوانية الصهيونية على لبنان؛ بل الحرب الصهيونية ضد المقاومة اللبنانية ممثلةً بحزب الله؛ الذي يقوده الشيخ حسن نصر الله, وانتهت هذه الحرب في حين ازدادت حدَّة الأزمة اللبنانية، دون أن تظهر معالم حلّ "لا غالب ولا مغلوب"؛ الذي تتحدث عنه جميع الأطراف، ولا يغيب في ذلك عنصر ما صنعته الحرب نفسها داخليًّا، وكان الجدال أثناءها وبعدها محتدمًا، شديدَ السخونة؛ كسخونة الحرب نفسها.

 

فهل يمكن بعد عامين على اندلاعها أن تتضح الرؤية من جديد؟ وهل بالإمكان الخروج من الأزمة اللبنانية المستعصية؟ لا سيما أن الصهاينة أقروا بهزيمتهم واتخذوا ما اتخذوا من إجراءاتٍ داخليةٍ تأكيدًا لذلك، وذلك من خلال لجنة التحقيق الذي ترأَّسها القاضي فينوجراد وسمِّيَت باسمه؟! وهل يكون بوسع قادة الطوائف والأحزاب اللبنانية تشكيل لجنة فينوجراد لبنانية للاستفادة من دروس هذه الحرب؟

 

لقد ادعى الكيان في حينه أن سبب هذه الحرب هو تحرير الجنديَّين الأسيرين الصهيونيَّين اللذين قام حزب الله باختطافهما يومين قبل اندلاع هذه الحرب، والمعروف أنه تم إرسال جثتيهما إلى الكيان ضمن صفقة التبادل مع حزب الله (16 يوليو الحالي).

 

إن هذه الحرب لم تكن ردةَ فعل على أَسرٍ، ولم تكن ردةَ فعل مقررةً من سنة أو من سنتين.. القرار بحرب على لبنان تم اتخاذه في شهر مايو عام 2000م عندما تم الانسحاب الصهيوني بل الفرار والهروب من الجنوب اللبناني، وفي هذا السياق يقول أحد ضباط الجيش اللبناني، والذي كان عضوًا في لجنة التفاوض مع الجانب الصهيوني وبإشراف قوات الطوارئ الدولية: عندما كنت أصارع على السنتيمتر وعلى المتر وعلى المترين في أحد المواقع، وبعد حدَّة من الجدل، تقدَّم مني ضابط من قوات الطوارئ الدولية الذي كان في اللجنة، وقال لي: "ما الذي سيغيِّره بالنسبة لكم تقدُّم متر أو مترين، طالما أنها لن تُستعمل لا في الزراعة ولا يوجد بترول؟! قلت: "هذه أرضنا أولاً.. ولكن لماذا لا توجّه هذا السؤال إلى العدو الصهيوني؟" قال: "سألتهم وأجابوا إننا بحاجة لهذين المترين؛ لأن علينا أن ننتقم فيما بعد".

 

القرار بحرب ضد لبنان بعد الانسحاب عام 2000م كان قرارًا صهيونيًّا نهائيًّا، وكان ينتظر أمرين: التحضير والظروف المكانية والزمانية، والذي يؤكد هذا القول أن لجنة فينوجراد عندما حقَّقت لم تبدأ في التحقيق بتاريخ أسْر الجنديَّين لترى كيف كان الأداء، بل انطلقت بتاريخ بداية التحقيق من 25 مايو عام 2000م، وحاسبت الحكومات ورؤساء الأركان منذ ذلك التاريخ، لقد قامت هذه اللجنة بمحاسبة كل من قصَّر في التحضير للحرب، وهذا الذي صدر في القسم الأول من تقريرها، أما بالنسبة لإدارة الحرب ونتائجها فكان القرار غير واضح تمامًا, وبالتالي قطعت لجنة فينوجراد بشكل لا يقبل الالتباس ولا الشك ولا الجدل بأن الحرب مقرَّرة على لبنان من حيث المبدأ منذ العام 2000م.

 

أما الحرب كحصر في الزمن فقد تم إقرارها على لبنان بقرار أمريكي وبعد نهاية العام 2005م، والجميع يذكر ما قاله رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة لوزيرة خارجية أمريكا رايس في ديسمبر عام 2006م، عندما جاءت إليه تعاتبه لماذا لم ينفذ وعده بنزع سلاح حزب الله؟ فقال: لم نستطع!! ثم سمح لنفسه بشيءٍ مقيت أمام الإعلام؛ فقال: "نشكر صبرك علينا"، والكل يعلم؛ وذلك لأنها قبلت عذره بأنه لم يستطِع أن ينفذ المهمة بنزع سلاح حزب الله، وعندما اعتذر وقال إننا لن نستطيع أن ننزع السلاح كان العمل على خطَّين؛ خط داخلي للإلهاء، وهذا ما سمِّي الحوار، ومنذ أن انطلق الحوار كان هدفه القبض على قائد المقاومة وإرغامه على الجلوس على طاولة المفاوضات، وإلزامه بالاعتراف بوجوب التجريد من السلاح، ولكن لأنه استطاع- بحجته المقنعة وبحكمته العميقة- أن يحوِّل النقاش من سلاح مقاومة إلى إستراتيجية دفاعية، تمَّ تقريب موعد الحرب، أما أسْر الجنديين فاتُّخِذ سببًا سخيفًا لشن حرب مقررة ومحضَّرة ويعلم بها الجميع، وللأسف يؤلمني أن أقول:"ويمولها بعض العرب".

 

عندما حصلت عملية أسْر الجنديين انطلق الكيان ليقول إنه يريد تحرير الأسيرين، لا يمكن للمحلِّل إغفال أن الوسائل التي تُستخدم في الحرب لا تتناسب مع الهدف المعلن، وبالتالي يجب البحث عن الهدف المضمر.. نعود إلى التاريخ القريب والمتوسط لنجد القرار 1559؛ إذًا الهدف ليس تحرير الأسيرين، هناك تطبيق القرار، ثم نرتدُّ إلى إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عن الشرق الأوسط الجديد، ونستنتج: هي إذًا ليست حرب الأسيرَيْن ولا تطبيق الـ1559 فقط، إنما حرب إقليمية لإعادة صياغة المنطقة.. التحليل في هذه الحالة لا يعود إلى مجرد توقعات بل معلومات.. هناك قرار أمريكي صهيوني بالتخلُّص من المقاومة في لبنان للانطلاق إلى تغيير في الشرق الأوسط، وهذا القرار وُضِعَ تنفيذيًّا بموجب خطة موضوعة مسبقًا.

 

تلك الحرب كانت في نظر جهات كثيرة أقرب إلى "نزهة" حسب التعبير الشائع، وهو ما فسَّر في حينه تسرُّع رايس في الإعلان غير المباشر عن الهدف بطرحها شعار "الشرق الأوسط الجديد"، وقد مات الشعار في هذه الأثناء؛ فقد ظهر للعيان أن الحرب انتهت بهزيمة، وأن المقاومة لم تكن لقمةً سهلةَ المنال على الدبابات والطائرات الصهيونية؛ فما سر قوَّة المقاومة اللبنانية؟!

 

حتى نقول بوجود مقاومة ناجحة، يجب أن نقول بثلاثة عناصر: العنصر الأول هو الإنسان، والعنصر الثاني هو السلاح، والعنصر الثالث هو نمط القتال والإمرة.

 

لو استعرضنا أسباب وعناصر نجاح المقاومة بوجه الكيان لوجدنا أن الإنسان الذي قاتل قاتل بعقيدة جوهرها العقيدة الإسلامية؛ النصر أو الشهادة، وبالتالي عندما يدخل مقاتل المقاومة الإسلامية في الميدان؛ يضع نصب عينيه هذا العنوان: النصر أو الشهادة، والآية: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ﴾ (الأنفال: من الآية 16)، وبالتالي المقاتل في المقاومة الإسلامية رغم التدريب ورغم كل الكفاءات- الأهم من التدريب ومن الكفاءات هو الشحن المعنوي العقائدي الذي لا مثيل له- لو جئنا بهذا المقاتل ودُمِج في الجيش هو نفسه.. الجيش اللبناني ليس كله من المسلمين، وإرادة القتال عند غير المسلمين قد تكون متفاوتةً، ولكن لكل شخص فكره العقائدي وطريقته في الدفاع عن حقوقه، والذي اختُبِر حتى الآن أن الفكر العقائدي الإسلامي بهذه الصيغة هو الأرقى.

 

ثانيًا: بالنسبة للسلاح.. السلاح الذي ينبغي أن يمتلكه الجيش هو السلاح المناسب لتنظيمات وتشكيلات تقليدية مناسبة.. هذه الأسلحة والطاقات غير متوفرة إمكاناتها للجيش اللبناني، لا متوفرة بالمال ولا متوفرة في السوق، وبالتالي إذا ربط الجيش بالمقاومة بمسألة السلاح؛ فسنأتي بسلاح خفيف ويذهب إلى تشكيلات تقليدية، فننهي دور السلاح.

 

الأمر الأهم والأخطر هو نمط القتال.. المقاومة تقوم بنمط قتال غير تقليدي.. قتال العصابات والمجموعات الصغيرة التي تستطيع أن تُنهِكَ قدرات العدو دون الحد الأدنى من الضرر.

 

كان للكيان حق تدمير غزَّة ولبنان لإطلاق أسرى جنود، بينما لا يحقُّ لمقاتلين فلسطينيين ولبنانيين القيام بعملية عسكرية فوق أراضيهم ضدَّ قوات محتلَّة من أجل الإفراج عن آلاف المعتقلين المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين!.. لم تكن حتمًا الأطراف العربية- التي سارت أكثر من اللازم في خطوات العلاقة والتطبيع مع الكيان رغم عدم التسوية الشاملة- هي المسئولة عن كل ذلك التصعيد العسكري في المنطقة؛ فالمسئول الأول عن ذلك هو الإدارة الأمريكية الحالية التي اختارت منذ مجيئها أولوية الحرب على العراق، ثم استخدام جماعات التطرف والعنف العشوائي كأعذار مناسبة لبدء أجندتها الحربية في العالم كله!!.

 

وكان تهميش الإدارة الأمريكية الحالية لمسألة الصراع العربي الصهيوني بمثابة ضوء أخضر لحكمٍ آخر متطرِّف في الكيان؛ مارس أبشع أنواع العدوان على الشعب الفلسطيني، مستغلاًّ اهتمام العالم بـ"الحرب على الإرهاب"، وانشغال أمريكا بالأولوية العراقية، وكانت أولويات سياسة واشنطن في لبنان التحريض الدولي والعربي واللبناني على تنفيذ القرار 1559 لجهة الإصرار على نزع سلاح "حزب الله"، وكانت المراهنة الصهيونية المدعومة أمريكيًّا أن يؤدِّي ذلك في لبنان إلى صراع لبناني داخلي مع "حزب الله"؛ حتى لو مرَّ طريق هذا الصراع في دهاليز فتنة مذهبية أدرك مخاطرها اللبنانيون والأطراف المعنية فعملوا على تجنُّب دفع التأزّم السياسي إلى فوضى أمنية؛ فالفتنة كانت مطلوبةً قبل تلك التطورات، كما كانت مطلوبة خلالها وبعدها.. الفتنة بين الفلسطينيين أنفسهم واللبنانيين أنفسهم والعرب كلهم.. فتنة تنهي أيَّ مقاومة لأيِّ احتلال وتجعل العدوَّ هو "المواطن العربي الآخر".

 

لقد راهن الكيان، ومعه الإدارة الأمريكية، على جعل صورة حربهما على لبنان في صيف العام 2006م وكأنها حرب على النفوذ الإيراني في لبنان والمنطقة، وبالتالي على إمكانية تجميع القوى والصفوف اللبنانية والعربية والدولية خلف هذا العدوان، وكانت واشنطن قد نجحت في استقطاب أوروبا إلى جانبها في كيفية التعامل مع حركة حماس بعد وصولها إلى السلطة الفلسطينية، وفي الضغط على أطراف عربية عديدة لوقف دعمها لقطاع غزة، وقبل هذا وذاك نجحت واشنطن في إقامة حلف أمريكي فرنسي بشأن لبنان صنَعَ القرار 1559 ثم القرار 1680، وأقام تحالفًا من القوى اللبنانية الداعمة لهذين القرارين وما فيهما من استهدافٍ واضح لسلاح المقاومة اللبنانية وللعلاقات السورية اللبنانية.

 

أيضًا شجَّعت واشنطن على مناخٍ مذهبيٍّ حادٍّ في العراق وفي المنطقة العربية؛ زاد الحديث فيه عن الدور الإيراني في الأحداث الدامية العراقية وفي تطورات مستقبل العراق، هكذا أرادت واشنطن وتل أبيب تصوير حرب صيف العام 2006م بأنها حرب على إيران وعلى نفوذها في بيروت ودمشق وغزة، وليست على اللبنانيين والفلسطينيين والعرب.. كانت إذن حربًا  أمريكية صهيونية ضدَّ إيران شكلاً، لكنها عمليًّا حرب على الأرض العربية لإنهاء أية مقاومة عربية مسلحة للاحتلال الصهيوني.. حربٌ تؤدي إلى فرض التطبيع والعلاقات بين العرب والكيان؛ بغضِّ النَّظر عن فشل التسوية السياسية للصراع وعن مصير القضية الفلسطينية والأراضي العربية المحتلة.. كانت شكلاً معركة واشنطن وتل أبيب مع طهران، لكنها ضمنًا هي معركة تركيع كامل للبلاد العربية، بما عليها من حكومات وما فيها من شعوب ومنظمات..! لكن العدوان على لبنان- كما هو في تجارب الشعوب أينما كان- هزم نفسه بنفسه.

 

وحينما تنتصر المقاومة في لبنان يكون الانتصار لكلِّ لبنان وللقضية الفلسطينية وللحلِّ العادل لها، وستضطرُّ واشنطن، عاجلاً أم آجلاً، كما اضطرَّت لذلك الحكومة الصهيونية إلى إدراك خطأ سياساتها وحساباتها ومراهناتها، والتوصُّل إلى الرؤية السليمة لأسباب أزمات المنطقة: مشكلة الاحتلال الصهيوني والدعم الأمريكي له.

 

وبمناسبة الإفراج عن جثة عميدة الشهيدات دلال المغربي نقول: إنه لمن المؤسف وفي أيام النصر للمقاومة وتراجع المشروع الصهيوني والأمريكي وفي أعراس الشهداء والأسرى أن يتجوّل من خانوا مسيرة الدرب والأخوة والعهد والقسم على الكفاح المسلَّح في شوارع تل أبيب ببطاقات الفي. آي. بي الصهيونية، وكذلك في شوارع القدس التي تشهد أوسع هجمة همجية على هويتها الإسلامية والعربية، وتنقل وكالات الأنباء التمازج واللقاء والقبلات وكلمات الإطراء ومحافل العشاء مع الغزاة تحت خديعة اسمها التسوية، وأي تسوية يا "دلال" مع خدعة اسمها التسوية؟ وأي تسوية مع القتلة والمغتصبين للأرض؟ أي تسوية مع من ابتلع الأرض ومارس الاجتياح والحصار للشعب الفلسطيني لإخوتك وعشيرتك؟

 

بالتأكيد روحك يا دلال تلعنهم كما تلعنهم حجارة القدس وأسوار عكا.. إنها تلعنهم من غزة هاشم ونابلس والخليل وتلعنهم من نهر البارد إلى عين الحلوة وكل مخيماتنا في الضفة الغربية وغزة.

 

وفي النهاية نقول:

لو كان الذي يواجه الكيان جيشًا تقليديًّا لاستعاد الكيان هيبته كما فعل في العام 67، ولكن بما أن الشعب هو الذي واجه الكيان، وبمقاومة عقائدية كما ذكرنا، وبنمط القتال المذكور، فإنه لا يستطيع أن ينتصر على شعب، وإنني على ثقة تامة بأنه دخل طريق نهايته عندما بدأ يواجه الشعوب مباشرةً ولا يواجه الأنظمة؛ لأن الأنظمة للأسف يمكن أن تخضع باتصال هاتفي أو بوعد مصلحي, أما الشعوب فلا تسيِّرها إلا مصالحها الحقيقية وعقائدها الحقيقية.. هذا إذا توفر لها القائد المخلص الذي يقدِّم ابنه في الميدان قبل أن يقدم أبناء الناس!!.

----------

** تم الرجوع لبعض المصادر- القدس المحتلة.