تسعى الأنظمة المستبدة دائمًا إلى تكميم الأفواه وكبت الحريات ومقاومة حق المواطنين في التعبير عن الرأي وحرية الكلمة وحرية الصحافة وحق النقد المباح لسلطات الدولة وللشخصيات العامة والسياسية، وهي حقوق أساسية يكفلها الدستور والقانون.
وغالبًا ما تفزع الأنظمة الفاشية المستبدة الفاشلة من حرية الرأي وتعتبرها أحد عوامل التهديد لتلك الأنظمة ولاستقرار أوضاعها، ولا مانع عندها من استخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة للحيلولة دون طر ح الآراء الحرة رغم ندرتها أو قلتها أو عدم إتاحة الوسائل لتصل إلى الناس؛ فتارةً تُحيل صاحب الرأي الحر إلى النيابة العامة التي باتت "فزَّاعة" لأصحاب الرأي والمعارضين، أو لكل مَن تُسوِّل له نفسه أن يعيش في دَور أننا دولة ديمقراطية تحترم حرية مواطنيها، ولسان حالهم يقول: "لا يا عم.. فوق يا أخويا إنت وهو.. الديمقراطية عندنا لها أنياب ومخالب"!!
وتارةً أخرى تدفع أحد المنتفعين إلى رفع جنحةٍ مباشرةٍ على صاحب الرأي الحر، "وهات يا مرمطة وبهدلة، ويفسحوه في جولةٍ على محاكم مصر".. قضية هنا وأخرى هناك، وقد يكون أمام دوائر أو محاكم منتقاة تُصدر أحكامًا أيضًا منتقاةً "لغاية ما يقول حقي برقبتي".
حتى إن القضاة العدول الشرفاء المحترمين الذين يدافعون الآن عن شرف القضاء المصري وحق القضاة في التعبير عن رأيهم يعانون هم أيضًا من بطش السلطة وتعسفها، لدرجة أنهم منعوا المستشار هشام البسطويسي أحد درات قضاة مصر الشرفاء من السفر للخارج لتمثيل مصر كقاضٍ دولي في إحدى المحاكم الدولية بسبب آرائه الحرة.
وأحيانًا أخرى تقوم باختطاف الصحفيين وتُلقي بهم عرايا في الصحراء تنكيلاً بهم ونكايةً لقولهم كلمة حق مثلما حدث مع الصحفي الكبير الأستاذ عبد الحليم قنديل.
ولأنها أنظمة فاشلة فاسدة، ولأن الله لا يصلح عمل المفسدين، تفشل تلك الوسائل وغيرها في إثناء أصحاب الرأي الحر عن قولهم الحق، ومن ثَمَّ فقد تفتَّق ذهن السيد أنس الفقي وزير إعلام الحزب الوطني الذي عجز رغم ما يملكه من إمكانات وقنوات فضائية وصحف قومية وخزائن مفتوحة بلا حسابٍ في البحث عن وسائل أخرى تداري عجزه وتُغطي فشله؛ في منافسة وسائل الإعلام المستقلة ومقارعة الرأي بالرأي والحجة بالحجة.
فقام بطرح وثيقةٍ مشبوهةٍ على وزراء الإعلام العرب تؤدي إلى فرض الرقابة على أجهزة الإعلام العربية ومواقع الإنترنت؛ تحفَّظت عليها العديد من الدول، وهي محاولة باءت بالفشل في عصر السماوات المفتوحة الذي يصعب فيه السيطرة على وسائل التعبير الحديثة، وبعد أن عاد من تلك المحاولة بخُفَّي حُنَيْن ارتدَّ مرةً أخرى إلى الداخل ليقوم بطرح ما يُعرف بقانون البث، والذي أطلق عليه أحد الصحفيين بحق قانون "البس" (بالسين)، وهو قانون باختصار شديد سيجعل الإعلاميين والصحفيين يعملون مرشدين عند أمن الدولة ولدى السيد أنس الفقي الذي يدير وزارة الإعلام بعقلية ضابط أمن دولة وليس كوزيرٍ مهمته أصلاً دعم حرية الرأي وحرية التعبير والتي أكدها الدستور المصري كأحد الحقوق المكفولة والمعتبرة للمواطنين.
فالسيد الوزير يلزم أجهزة الإعلام المختلفة بتقديم تقارير عن المواد الإعلامية قبل عملية البثِّ من حيث المحتوى والمضمون، ومن المؤكد أنه سوف يتدخل بشكلٍ سافرٍ في اختيار تلك البرامج لضيوفها؛ فيمنع ويحجب الشخصيات السياسية المعارضة ذات الكاريزما والمقبولة من الجماهير، ولا أشك لحظةً واحدةً في أن المستهدف من وراء قانون "البس" وأول ضحاياه هم الإخوان المسلمون الذين يبذل نظام الحكم مجهوداتٍ مضنية لحصارهم وحجبهم عن التواصل مع الجماهير، والهدف الظاهر من وراء ذلك القانون الكارثي هو محاولة مَقيتة لإيقاف البرامج ذات الإقبال الجماهيري، والتي وجدت فيها الجماهير المكبوتة المتنفسَ للتعبير عن آرائهم، وخاصةً بعد أن انتشر ما يمكن أن نسميَه ثقافة الاحتجاج لدى المواطنين، والتي اعتبر البعض أن انتشارها بشكلٍ لافتٍ يُعزى إلى عرض أجهزةِ الإعلام المستقلة العديدَ من أوجه الاحتجاج والتعليق عليها بشكلٍ ساعد على زيادتها وانتشارها.
ولا شك أن السيد أنس الفقي- وبحق- يعد وزير الإعلام الأسوأ في تاريخ مصر؛ فهو يُشغل نفسه وجُلَّ وقته بالسعي إلى كبت الكلمة الحرة وتكبيل حرية الرأي والتعبير وتقديم تشريعات مقيِّدة لحرية الإعلاميين في عرض المعلومات المتاحة على الرأي العام بشفافية، وهو حق الجماهير في عصر السماوات المفتوحة، وأية محاولةٍ خلاف ذلك سيكون سباحةً ضد التيار وسيرًا عكس الاتجاه وإساءةً لسمعة مصر، خاصةً أن الريادة الإعلامية انتقلت إلى خارج مصر بسبب السياسة الفاشلة للسيد الوزير الهمام وجهل النظام بآليات التعامل وقواعد المنافسة في العصر الذهبي للإعلام، ولا شك أن ذلك سيجعل مصر تُمنَى بأكبر خسارة مادية وأدبية في تاريخها بعد أن سَحب البساط الإعلامي منها دولٌ صغيرة بحجم حي من أحياء القاهرة (دولة قطر).
أما من حيث الصياغة القانونية فقد حوى القانون عباراتٍ مطاطة، مثل تهديد السلم الاجتماعي، وهي عبارة فضفاضة، وليس لها معنى أو تعريف محدد في القانون يمكن أن يدخل تحت طائلتها أي مواطن يتحدث عن زيادة الأسعار أو طوابير الخبز أو بيع الغاز بأبخس الأثمان لـ"إسرائيل"؛ ليعاقب بعد ذلك بالعقوبات الواردة بالقانون بالحبس عامين والغرامة.
إلا أنني اعتبر أن أخطر ما في هذا القانون هو عسكرة الإعلام بتشكيل جهاز الرقابة أو مجلس أمناء من عناصر أمنية من الأمن القومي ومباحث أمن الدولة؛ مما يعني أن الحكومة باتت هي الخصم والحكَم في آنٍ واحدٍ، وكان يتعين أن يتشكل على الأقل من عددٍ معقولٍ من الشخصيات الإعلامية المستقلة.
إن استخدام التشريعات المشبوهة أصبحت سمةً من سماتِ النظام الرسمي في مصر، ومحاولةً للخروج من دائرة الفشل الذريع في مجال المنافسة الإعلامية ليحقِّق النظام بهذا القانون ما عجز عن تحقيقه في ساحةِ الإعلام المنافس، وهي لا شك ستكون محاولةً فاشلةً بالقطع واليقين، وستكون- حقًّا- المسمار الأخير الذي يدقه النظام في نعشِ الإعلام المصري.
----------
* المحامي وعضو مجلس نقابة المحامين السابق