تخيل معي حجم المأساة والجحيم الذي عاشه هذا الجندي المسكين من قوات الأمن المركزي بالإسكندرية؛ فبعد القبض عليه بتهمة التحدث إلى أحد الضباط بطريقة غير لائقة وكأنه سبَّ الذات العلية قاموا بالقبض عليه وتقييده في أحد أعمدة السجن، ثم بدأت حملة تعذيب ظالمة ومنظَّمة ومتواصلة فحرموه من النوم، ثم أعطوه وجبةً واحدةً في اليوم لا تكفي لإشباع طفل صغير، ثم حرموه من شرب الماء!.
ولما أشرف على الهلاك بدأ في محاولة استعطاف لجلاَّديه؛ لعل قلوبهم القاسية تلين لأنَّاته وآلامه وعطشه وجوعه، ولكن دون جدوى، واستمر التعذيب المتواصل على الجندي المسكين كما أثبته تقرير الطب الشرعي لمدة ثلاثة أيام متوالية، والذي شمل كل جسده، وكانت آخر كلماته لجلاديه ومعذبيه قبل أن يسلم الروح إلى ربه بعد أن جف حلقه من شدة العطش: "اللي مش حيشربني مية مش داخل الجنة"، ولكن أنَّى لهذه الكلمات البائسة اليائسة أن تجد لها صدى في قلوب تحجَّرت؛ بل هي والله أشد قسوةً من الحجارة.
ولم ينتهِ المشهد عند هذا الحد؛ فبعد أن تأكدوا من الإجهاز عليه وقتله، وخوفًا من افتضاح جريمتهم البشعة؛ قاموا بإشعال النار في جثته؛ في محاولةٍ لمحو آثار التعذيب المنتشرة في أنحاء جسده!!.
جرائم متعددة ارتُكبت في حق هذا المسكين؛ شملت حياته وحتى بعد مماته، ومكمن الخطورة في هذه الكارثة ودلالاتها أن تلك الجرائم تم ارتكابها من رُتَب مختلفة من رجال الشرطة؛ شملت ضباطًا وأمناءَ شرطةٍ وجنودًا؛ أي ممن يُفترض أنهم حماةُ أمن الوطن والمواطن، وضد أحد رجال الشرطة، وبطريقة تذكِّرنا بوقائع مشابهة لما حدث في سجن أبو غريب بواسطة القوات الأمريكية؛ التي كانت تدعي أنها راعية حقوق الإنسان في العالم، وقد كشفت وقائع تلك القضية عدة حقائق ينبغي التأكيد عليها:
* إن جنود الأمن المركزي ما زالوا يتلقون معاملةً غير آدمية، أو قُل غير إنسانية بالمرة، تشبه إلى حد كبير معاملة الأسياد للعبيد، وقد تصادف أثناء مروري بالسيارة مرات عديدة أن قُمت بتوصيل بعض جنود الأمن المركزي بعد انتهاء ورديَّتهم إلى معسكراتهم بعد أن تركتهم وزارة الداخلية دون تدبير وسيلة لعودتهم مرةً أخرى إلى معسكراتهم، وعلمت منهم مدى المعاناة التي يعانونها من معاملة بعض الضباط واستخدامهم أحيانًا لخدمة الضباط وأُسرهم بالمنازل؛ وبالذات الذين يحملون بعض الحِرَف دون أي مقابل إلا رضاء الضابط عنه.
* إن وقائع القضية تؤكد أن الخلل الجسيم في مراعاة الطبيعة البشرية والإنسانية لجنود الأمن المركزي، والتي أدَّت إلى الأحداث المؤسفة وثورة جنود الأمن المركزي الشهيرة في منتصف الثمانينيات، والتي راح ضحيتها العشرات منهم.. ما زالت قائمةً على أشدِّها وتنذر بخطر كبير؛ قد يطفو على السطح في أي لحظة ما لم يدرك المسئولون بوزارة الداخلية التعامل بحكمة مع تلك القضية طبعًا بما لا يخل بالضبط والربط والانضباط العسكري!.
* إن وقائع القضية بلغت من البشاعة ما لا ينبغي السكوت عنه أو "الترمخة" على موضوعها حتى تنسى وقائعها المؤسفة، ولكن ينبغي الإعلان عن محاكمة علنية لمرتكبي تلك الفاجعة الإنسانية المؤلمة، والتعامل برفق وكرم، وتعويض أسرته ورعايتهم مثلما يحدث مع حالات وفاة الضباط، سواء بسواء.
* ضرورة قيام وزارة الداخلية بوضع ضوابط صارمة تحُول دون تكرار هذه الجرائم اللا إنسانية؛ حتى يطمئن المواطنون الذين أزعجهم وقوع تلك المأساة على شرطي، فما بالنا بالمواطن العادي وما يمكن أن يحدث له؟!
* تلاحظ أن منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان لم تُولِ تلك القضية بكل أسف الاهتمامَ الذي يتناسب مع بشاعتها، وكأن جنود الأمن المركزي خارج نطاق الخدمة، وقد كنت آمل في سماع تعليق أو تصريح من المجلس القومي لحقوق الإنسان يُدين فيه تلك الواقعة، ولكن على ما يبدو ليس كل ما يتمنَّى الإنسان يدركه.
* كما أن القضية أيضًا تؤكد ضرورة مراقبة أماكن احتجاز المواطنين التي باتت منتشرةً في أماكن عدة مخالفة للقواعد القانونية، سواءٌ كانوا مدنيين أو عسكريين.
* كما أنني ومن موقع المسئولية سوف أعلن عن إنشاء لجنة بنقابة المحامين لتلقِّي شكاوى التعذيب ضد المواطنين والعمل على تقديم مرتكبيها للعدالة.
إن المواطن المصري آن الأوان له أن يعامَل المعاملةَ اللائقة به بعد سنيِّ الذل والهوان التي عانى منها طوال العقود الثلاثة الماضية، والتي فُرضت عليه فيها حالة الطوارئ دون أن يُعطَى أي أمل في إلغائها؛ مما سبَّب حالةً من الاستهانة في نفوس رجال الأمن أدت إلى وقوع العديد من التجاوزات الخطيرة ضد المواطنين شملت أخيرًا حتى رجال الشرطة.
* إن تلك الوقائع والاعتداءات لن تتوقَّف؛ بل ستزيد طالما ظلت حالة الاستبداد السياسي وانعدام الديمقراطية ومنع تداول السلطة هي سمات رئيسية للمشهد السياسي في بلادنا، والتي إن لم تتوحَّد الجهود لإزالتها فقل على مصر السلام.
---------
* المحامي وعضو مجلس نقابة المحامين السابق.