محمد الحليسي

منظر يذكِّرنا بأيام دنشواي، ووجود الاحتلال البريطاني، وتجول عساكر الاحتلال في ربوع مصرنا الحبيبة، وأنظار الشعب المسكين تلعنهم، وأنفاسه المكتومة تلهج بالدعاء عليهم!!.
هذا المنظر الذي أقصده هو ما تعيشه دائرة بندر دسوق بكفر الشيخ في جولة الانتخابات المؤجلة لمجلس الشعب من 2005م؛ فالعربات المدرَّعة والسيارات المصفَّحة والبوكسات والنجدة وعساكر القوات الخاصة بزيِّها الأسود، وما تحمله معها من قنابل مسيلة للدموع ورصاص مطاطي وآخر حي، وقاذفات القنابل الحارقة، والأسلحة الآلية ونصف الآلية، والعصيِّ الكهربائية.. إلخ من أدوات قمع الشعوب والدوائر المتمردة؛ التي تعطي لمرشح الإخوان 21 ألف صوت ومرشح الوطني 9 آلاف فقط، هذا بالإضافة إلى سلاح المخبرين؛ الذي لا يحصيهم عدٌّ، ولا يحدُّهم حدٌّ؛ يحصلون على كل شيء من الشعب وقتما شاءوا وأينما شاءوا، وإلا فالتقارير الملفَّقة جاهزة.
هذا كله أصبحْت تراه في كل شبر، في الطرقات والشوارع، في المدينة والقرية والعزبة، وحتى حول مزارع المواشي والدواجن المنتشرة في وسط الحقول، وكأن الاحتلال عاد بأشرس مما كان عليه، وأصبحنا نترحَّم على أيام الإنجليز؛ أيام الانتخابات النزيهة، وتبادل الحكومات بين الوفديِّين والسعديِّين.
وأصبح الرجال والنساء والأطفال في حالة ذهول لهول ما يشاهدون؛ فالأطفال يتجمَّعون خلسةً تحت جنح الظلام ليخطِّطوا لمقاومة هذا الاحتلال؛ ظنًّا منهم أن هؤلاء هم الذين احتلوا فلسطين، وجاءوا إلى دائرتنا ليحتلوها؛ فلا بد من مقاومتهم بالحجارة كما يقاوم أطفال فلسطين.
والنساء ينطلقن في الطرقات كالمسعورات يبحثْن عن أطفالهن؛ حتى لا تصيبهم الرصاصات الطائشة أو القنابل الحارقة لحظة الهجوم بجميع التشكيلات على الناخبين الأعداء وجميع الإخوان والأصدقاء؛ فالنساء بطبيعتهن يخفْن على أولادهن حتى من العصيِّ الكهربائية!!.
أما الرجال، فلا أراك الله مكروهًا؛ فقد جلسوا في بيوتهم ما عادوا يخرجون إلى مصالحهم خوفًا على الأهل من مخبرٍ يدخل على حين غفلة؛ بحجة أن ابنَهم الأصغر قرأ في الكتَّاب اليوم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ (النحل: من الآية 90)، أو خوفًا من كمين يتصيَّده على طريق، والمحال التجارية أَغلَقت أبوابَها؛ فالمبيعات كلها ببلاش، ولا أحد من جنود الاحتلال أو سلاح المخبرين يدفع شيئًا!!.
وكثير من الأسر خرجت من الدائرة، وولَّت يوم الزحف؛ بحجَّة زيارة أقارب لها في دوائر أخرى سبقت لها من الحكومة النكبة في 2005م، وهذه الأُسَر قرَّرت ألا تعودَ حتى يخرج المحتل الآثم، وأصبحت تتابع أخبار ذويها في الأرض المحتلة بالهواتف ومن خلال البرامج: "نحن معك"، "على الدرب"، "من أرضنا الحبيبة"، "شدَّة وتزول"، "الناخبون في الأرض"، "أخي قد جاوز الظالمون المدا.. فحق الجهاد وحق الفدا"، واتجه الشباب إلى الأغاني الوطنية؛ يتذكَّر أيام الحرية ويمنِّي نفسه بالاستقلال!!.
طلبتُ من بعض أصدقائي أن يُحصِيَ العساكر والقوات الموجودة في الدائرة؛ فقال لي: كن موضوعيًّا؛ نحن هذا الأسبوع نستطيع أن ننجز حصر المدرَّعات، وإن كانت هناك جولة للإعادة- لا قدَّر الله- يمكن وقتها حصر المصفَّحات، أما البوكسات فلا يمكن، والعساكر تقريبًا ضعف سكان الدائرة.
وأنا أنتهزها فرصةً لمناشدة من بيده الأمر من الإخوان المسلمين: يا ناس.. حرام عليكم، الدولة استنزفت مواردها في مطاردة مرشّحكم ومنع دخوله البرلمان؛ "كفاية كده.. عرفنا إنكم ناجحين!!".
----------
* مرشح الإخوان المسلمين في دائرة العجوزين بانتخابات مجلس الشعب السابقة.