إن مأساة الأمة تكمن في أنها تعاني هزيمةً حضاريةً، وأن كل ما على الساحة إن هو إلا إفراز لهذه الهزيمة، والحملة الصليبية على الإسلام ممتدة، فمنشور "نابليون" حينما دخل مصر هو نفسه خطاب "بوش" حينما أعلنها حربًا صليبيةً على الإسلام قبل احتلال العراق، زاعمًا أن هدف أمريكا هو تحرير العراق من الديكتاتورية، والعمل على تطويره.

 

 ونابليون حينما دخل مصر أعلن أنه يهدف إلى نشر التعليم، وجاء بالمطابع التي أخذ يكتب بها المنشورات التي تروِّج لأفكاره وأهداف حملته، وكان أول أهدافه فصل مصر عن دولة الخلافة، ففصلُ مصر يمزِّق كيان المنطقة العربية، ومن ثَمَّ الخلافة، وهذا ما أتمَّه الإنجليز عن طريق جاسوسها "لورنس" ضابط المخابرات الشاذ، ومن يدرس سرّ الظاهرة الاستعمارية خلال مائتي عام مضت يرَ أن أخطر ما تمر به الأمة هو (القابلية للاستعمار) كما ذكر مالك بن نبي؛ فالشعور بالدُّونِيَّة، والانبهار بحضارة الغرب، ثم التبعية المهينة ثم الذوبان، فتختفي معالم الذات الإسلامية، وتُطمس الهوية، ومع الزمن تنمحي تمامًا.

 

لذلك عمل القرآن الكريم على الحفاظ على الهوية ﴿.. قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)﴾ (الأعراف).. إن الآيات تعيد بناء الذاكرة لدى بني إسرائيل إبَّان إيمانهم.. هؤلاء الذين يريدون اتباعهم في عبادة العجل ما هم إلا قاتلو أبنائهم ومستحيو نسائهم؛ فاستدعاء الأحداث بجزئياتها يُعيد بناء جدار بين المقهور وقاهرِه؛ فلا يذوب فيه وتَنمحي معالمه.

 

إن اتخاذ العدو عدوًّا أهمُّ مراحل الحفاظ على الهوية واستقلاليتها، ومن ثم المواجهة ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: من الآية 6)، والأمة الآن أشدّ ما تكون بحاجة إلى إعادة بناء الفرد من جديد، والاهتمام بالثوابت، والحفاظ على الهوية في شتى المناحي والأشكال؛ فالإنسان أساس أي تنمية، بعدما أُهْدِرَتْ قيمته فضاع ولاؤه.

 

والترويج للاستعمار لا يصبُّ في صالح الأمة، بل يكرِّس للانهزامية، ويهيِّئ للاحتلال الذي لا يسعى إلا لمصالحه، واستنزاف موارد وخيرات الأمة كلها، ومعاداة كل من يدعو إلى التحرير أو المقاومة فيَسِمُونه بالإرهاب والتطرف.

 

وعلى الشعوب أن تتمسك بمُقَوِّماتها وتعمل على استردادها؛ فأخطر ما تعانيه شعوب الأمة هو الرضوخ للاستبداد؛ أيًّا كان نوعه ومصدره.

 

إن الاستبداد يقتل الولاء ويُذْهِبُ الاستقلال عن الشخصية ويجعلها تدور في محاور مفرغة، كما أن الأجواء المحيطة بالأمة من وهْمٍ وتبعيةٍ وتشرذمٍ؛ تجعل الخطاب المُوَجَّهَ للآخر لا يعبر عن حقيقة الأمة، ولا ينطلق من آفاقها الرحيبة، فيكون هذا الخطاب مقيّدًا بهذه الأجواء، خاضعًا للعوامل السياسية المهينة التي فرضها المستبدُّون، ومن ثَمََّ فأي خطاب رسمي أو ما شابهه لا يعبر تعبيرًا صادقًا عن طبيعة هذه الأمة التي جعل الله في دينها العزة والحرية ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).

-------

* دكتوراه في تعليم اللغة العربية لغير العرب.