د. حامد أنور المعروف أن هوية الدولة تمثلها الأغلبية السائدة وأن الدولة "النظام السياسي" هي انعكاس للأيديولوجية المترسخة في عقول أفرادها مع ترك كل الحرية للأقليات الأخرى في أن تمارس شعائرها الدينية وطقوسها الخاصة والأقليات في الإسلام هي أقلية دينية، وليست عرقيةً فلا يوجد في الإسلام تفوق عرقي أو تعصب لجنسية ما، فتحت مظلة الإسلام لا يوجد تمييز بين البشر لأن التمييز صناعة غربية، فقد يكون النيجيري المسلم الصالح الملتزم بشعائر الدين خير عند الله من العربي الفاسد المتبني أفكارًا غربيةً، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى وبلال الحبشي خير وأحب إلينا من أبي لهب عم رسول الله.

ولقد رضي المصريون بالمماليك حكامًا في أعظم ظاهرة في التاريخ عن التسامح العرقي- بعد ظاهرة الهجرة إلى المدينة بالطبع- ولم يخيِّبْ المماليك الظنون، فلقد دافعوا عن مصر وعن الدين أفضل من دعاة القومية مثل جمال عبد الناصر مثلاً، خالد الذكر ولكننا نعيش في زمن انقلبت فيه الأمور واختلت فيه المعايير بفعل الحماقات الأمريكية والصداع الإعلامي الأمريكي ويحاولون إرضاخ الأغلبية السائدة لشطحات الأقلية الضئيلة.
لقد صدعت أمريكا أدمغتنا بحقوق الأقليات والدفاع عنهم واستخدامهم ذريعةً للتدخل في شئون الدول واستعانت بهم كدوابٍ تمتطيها للوصول إلى مصالحها الخاصة ومآربها الرخيصة ولكن يا ترى كيف حال الأقليات عندهم؟ كيف الحال في بلد يجمع أعراقًا مختلفةً بثقافات مختلفة في أرض مسروقة من أهلها؟ لذلك قررنا أن نفتح ملف الأقليات في أمريكا.
المعروف أن الهنود الحمر هم السكان الأصليون للبلاد يشكلون حاليًا واحدًا ونصف في المائة فقط من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، وتمارس ضدهم سياسة قمعية بغيضة قائمة على التمييز ومعاملتهم ليس كمواطنين من الدرجة الثانية بل مجموعة من الحيوانات أقل من الجنس البشري وضعوا في محميات طبيعية فالهنود الحمر الذين أبادهم الأمريكيون بكل الوسائل بلا استثناء وشنوا عليهم الغارات تلو الغارات فتناقصت أعدادهم من 112 مليونًا إلى 4 ملايين لا يتمتعون بحقوقهم الأساسية التي ترفعهم إلى درجة البشر في بلاد تزعم أنها راعية حقوق الإنسان حيث يتم علاجهم في مستشفيات خاصةٍ بهم تسمى هيئة الخدمات الصحية للسكان الأصليين أي أن الرعاية الصحية تميز بينهم وبين سائر المواطنين في الإمبراطورية الأمريكية كما أن 50% منهم لا يتمتع ببرامج الحكومة وترى الفقر والمرض يترعرع بين قبائلهم لقد استولوا على أراضيهم واستغلوا خيراتهم وقذفوا بهم في مراحيض رعاة البقر رغم أنهم أحسنوا استقبالهم حين أتوا إليهم أليس جزاء الإحسان إلا الإحسان؟، إنه الإحسان على الطريقة الأمريكية!!.
ليس هذا فحسب بل بلغ القمع مداه والظلم منتهاه حيث يمنعونهم من استخدام لغتهم الأصلية وممارسة شعائرهم الدينية والتضييق عليهم، ففي عام 1999 منعت المحكمة العليا الأمريكية منحهم المزيد من الحقوق لاستخدام المخدر الذي يعرف باسم "بيوت" في المناسبات الدينية، ورغم أنه فقط يستخدم في مناسبة، وشعيرة دينية مقدسة لديهم إلا أن القمع والمنع كانا هما قرار المحكمة وقررت- لاحِظ الحكم جيدًا- أن الممارسات الدينية تخضع لأحكام القانون الجنائي وألا يخالف ذلك المادة السابعة والعشرين من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والدولية والذي يعطي الحق للأقليات في أي دولة أن تمارس شعائرها ولغتها الخاصة والتمتع بثقافتها أم أن هذا العهد الدولي لا يلزم سيدة القصر.. الإدارة الأمريكية.
أما قانون فرص أفضل للأقليات- حسب أوراق الديمقراطية الأمريكية التي نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية والصادرة عن مكتبة الأسرة في عام 2005م- والذي يقضي بمنح الأقليات ميزة تكون في كثير من الأحيان مصطنعة في مجال العمل والوظائف والدراسة فإن هذا القانون يلاقي حاليًا جدلاً كبيرًا في المجتمع الأمريكي، ويثير القلاقل في المحكمة العليا الأمريكية لأنه كما قال البعض يشكل تمييزًا عكسيًّا ضد الأغلبية، وهذا يمثل مخالفةً واضحةً للدستور المصاب بعمى الألوان، وينتهك مبدأ التقدم استنادًا إلى الجدارة ويزيد من حدة القتال العرقي فهذا القانون يشعل جذوةً الصراع بين الأعراق في أمريكا خاصةً في ظل تناقص أعداد البيض إلى 66% من المجتمع الأمريكي، ويلهب الخلاف بينهم ويجعل البعض يشعر بشكل غير مباشر بالدونية، وهم الذين صممت من أجلهم تلك القوانين، فهل هذا الصراع هو ما تريد أمريكا نقله إلينا؟ وهل تريد لفتيل التمزق أن يشتعل في أرضنا؟ أو لم يكف دراكولا العصر كل ما نزف من دماء؟
ونظرًا لأن هذا القانون غير منطقي، وغير قابل للتطبيق السلمي على أرض الواقع فتجد العجب العجاب يصدر من المحكمة العليا الأمريكية حين تقوم بالتحكيم طبقًا لهذا القانون فتجدها تحكم في قضية بحكم، وتحكم في قضية أخرى بحكم مغاير تمامًا فمثلاً جامعة كاليفورنيا كانت تقضي بتخصيص 16 مقعدًا من كل مائة مقعد للأقليات في كليات الطب فجاء قاضٍ يدعى لويس باول وقام بإلغائه وإلغاء كل الحصص المبنية على التصنيفات العرقية لأنه لا توجد أية ضرورة لدعم سياسة قبول مجموعة من الطلاب استنادًا على العرق فقط في حين في قضية أخرى، وهي تعرف بقضية عمال الصلب ضد العامل الأبيض بريان ويبر قضت المحكمة بفرض نسبة من العمال في تلك الشركات بـ50%؛ لأن نسبة الأقليات في هذه الولاية كانت كبيرة وهكذا الأمور هلامية متخبطة.
بل إن معارضة هذا القانون الذي يثير التناحر بين سكان الولايات المتحدة، ويرسخ التمييز بينهم تتزايد بشكل مخيف فقد أوصت المحكمة العليا الأمريكية عام 1995 بمراجعة هذا القانون من قبل الإدارة المركزية بشكل صارم، بل امتد الأمر أيضًا إلى لعبة الانتخابات وانحازت إلى الناخبين البيض؛ حيث يتم تقسيم الدوائر الانتخابية بحيث يشكل الأقليات أغلبية في بعضها مما يقلل من فرص انتخاب البيض واعتبرتها المحكمة العليا عام 1996 أنها غير دستورية، إن الولايات المتحدة يمزقها التناحر العرقي رغم أنها تزعم أنها أمة وأنها بوتقة الأعراق، وهذا ادعاء كاذب فالذي يجمع الدولة الأمريكية بشعبها ليس عقيدة، ليس قيمًا عليا، بل مصلحة مادية، ومصلحة مادية فقط.
فالأمريكي المسلم ينظر إلى الكيان اليهودي على أنه ورم سرطاني بينما الأمريكي البروتستانتي ينظر إليه على أنه أمر من الله، كما أن نظرة الأمريكي المسلم للكون والخلق تختلف عن نظرة الأمريكي الملحد الذي يشكل 10% وتختلف عن نظرة الأمريكي البروتستانتي، وعن نظرة الهنود الحمر للحياة كذلك فكيف تكون أمة واحدة؟، وكيف يكون مصيرها مشتركًا؟ إن نظرتهم للآخرة تختلف من طائفة لأخرى بل إدراك علمهم في الآخرة ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمِونَ﴾ (النمل: من الآية 66)، لذلك كلما زادت نسبة الأقليات عن نسبة البيض ازداد الأمر اشتعالاً ورغم أن البروتستانت يشكلون فقط 56% من نسبة سكان البلاد، ورغم أن الدستور الأمريكي يحظر الترويج لأي دين أو أن تدعم الدولة أي دين على حساب الآخر إلا أن الرئيس الأمريكي جورج بوش كان يستخف بمشاعر المسلمين، ويعلن أنه يقرأ الإنجيل قبل النوم وأنه شن حربه على إخوانهم المسلمين في العراق من منطلقاته الدينية، أليس هذا تحديًا لمشاعر المسلمين الذين يدفعون الضرائب واستقبل رجل الفاتيكان الذي طاف البلاد كما يشاء ودعا إلى التطهر من الذنوب على الطريقة الكاثوليكية ألا يحترم مشاعر الآخرين في أمريكا؟
والعجيب أيضًا الصورة التي وضعها موقع السي إن إن بتاريخ 19 يونيو 2008م في معرض تعليقه على منع فتاتين محجبتين من الجلوس خلف أوباما فكانت يد تضع بطاقة انتخابية يعلوها الصليب في صندوق الانتخابات وكأن الوصول إلى الرئاسة يمر عبر هذا الطريق فأين حقوق الآخرين؟، وعندما نجح عضو مسلم وحيد في الكونجرس قامت الدنيا ولم تقعد واشتعلت ضده الحملات الدعائية لأنه سيقسم على المصحف، إنها المساواة، وعدم التمييز، صنعت في اليو إس إيه، فهل من الممكن أن نحلم أن يكون هناك وزير أمريكي مسلم؟
ولا أجد أبلغ من كلمات القس الأمريكي الذي أشرف على تعميد أوباما والذي تبرَّأ منه أوباما مؤخرًا كما تبرأ من دينه وزيِّه، ويبدو أن هذا الرجل يتبرَّأ من كل شيء؛ فقد قال هذا القس: "تقولون: ليبارك الرب أمريكا، وأنا أقول لكم: ليلعن الرب أمريكا".
--------