لا شك أن كل مصري حر وطني شريف؛ تجري في عروقه وشرايينه واختلطت بدمائه مياهُ النيل، سوف يغتمّ ويحزن من التقارير الدولية العديدة التي صدرت في الآونة الأخيرة وفي كافة المجالات، والتي أكدت تراجع مكانة مصر وريادتها على كل المستويات؛ فبدءًا من صفر المونديال وهي فضيحة كبرى تؤكد سوء إدارة الملف وسوء الإعداد له، ومرورًا بتقارير النمو الاقتصادي التي احتلَّت مصر به موقعًا متميزًا في أسفل القائمة، ثم حصول مصر على مرتبة عالية بين شعوب الأرض في رسوخ حالة الاستبداد السياسي وانعدام الديمقراطية طوال العقود الخمسة الماضية، والتي وضعت مصر بكل أسف في مصافِّ كبرى دول الاستبداد، وانتشار الفساد في كل بقاع مصر المحروسة، والتي كان آخرها فضيحة بيع "عمر أفندي"، ثم بيع امتحانات الثانوية العامة، والتي لا نعرف منذ متى كانت تباع وفي أيٍّ من المحافظات؟!

 

ثم قرأت أحدث تقرير عن مصر في جريدة (الدستور)؛ أكد حصولها على الترتيب السابع على مستوى العالم في أسوأ انتخابات برلمانية، والتي تمت سنة 2005م، وقد نحَّيت التقارير جانبًا وقلت لعلها مغرضة، وصدرت عن جهاتٍ حاقدةٍ على مصر وعلى قيادتها الرشيدة، وعكفتُ أبحث عن موقف مشرِّف لمصر لعلَّه يُحدث نوعًا من التوازن النفسي، ويبدِّد آثار التقارير المغرضة! فوجدت مصر على المستوى الرسمي وبكل أسف أُهدِرَت بل نفَّضت يدَها من أزمة دارفور، على الرغم من أنها قضيةٌ لا يختلف عليها اثنان في أنها تمثِّل تهديدًا خطيرًا للعمق الإستراتيجي المصري، وتركت الساحة للأمريكان والأوروبيين للعبث واللعب عند الحدود الجنوبية لمصر، وبالتأكيد معهم "إسرائيل" دون أن تبدو في الأفق ملامح أي خطة مصرية لمواجهة الأزمة.

 

ثم طَفَتْ على سطح السياسة الدولية أزمةٌ غريبةٌ ومضحكةٌ مبكيةٌ، وهي اختيار رئيس للبنان خلفًا للعماد إميل لحود، وعلى الرغم من أنها أزمة لبنانية داخلية توافد بسببها على لبنان نصفُ رؤساء دول العالم؛ حتى شعر المرء أن اختيار رئيس للبنان سيحلُّ مشكلات الكرة الأرضية، وفي الحقيقة فقد حسدت الإخوة اللبنانيين ومعي الكثير من المواطنين على نعمة كونهم ظلوا بلا رئيس فترةً طويلةً، وقلت في نفسي يعني "اللي عندهم في بلادهم رؤساء عملوا بيهم إيه؟! وبعدين المشرحة مش ناقصة قتلى ولا جثث".

 

ثم فوجئت بمصر، ومعها من أسموها جبهة الاعتدال: السعودية والأردن، تتبنَّى الموقف الأمريكي والأوروبي ضد من أسموها قوى الممانعة أو المقاومة اللبنانية، إلا أنني وأنا أبحث لمصر الرسمية عن موقف مشرِّف يشفع لها عندي أسفت وشعرت بالعار للحال الذي وصلت إليه السياسة المصرية، وأنا أشاهد مشاركتها الكيان الصهيوني في حصاره أهلَنا وشعبَنا في فلسطين، وهي بذلك وصلت إلى درجة الحضيض السياسي إن جاز التعبير، فكيف تسمح مصر بالمشاركة في هذا الحصار الظالم، وتمنع المرضى والعجزة والأطفال الفلسطينيين من العلاج في مصر؟ كيف تشارك مصر في تجويع وتركيع أهلنا وشعبنا المقاوم وتغفل أو تتناسى أنَّ دعم صمود الشعب الفلسطيني هو خيارٌ إستراتيجيٌّ وأمنٌ قوميٌّ مصريٌّ من الدرجة الأولى؟!

 

أي عارٍ للسياسة المصرية حين تطلق الأفاعي في أجهزة الإعلام والصحف القومية لمهاجمة المقاومة وإظهار أنها هي عدوُّ مصر اللدود بدلاً من الكيان الصهيوني الذي يشكِّل حتى الآن الخطر الأكبر على أمن مصر والأمة العربية؟!

 

إن انحدار مكانة مصر الإقليمية والدولية وضياعها دليلٌ على حتمية وضرورة مراجعة سياسة مصر وثوابتها؛ فهل من المعقول أن دولةً مثل قطر عدد سكانها مثل حي شبرا في القاهرة تُصبح صاحبة الريادة الإعلامية، في الوقت الذي تُصدر فيه مصر وثيقةً إعلاميةً لوزراء إعلام العرب؛ تطالبهم بالحد من حرية التعبير وتداول المعلومات؟!

 

هل من المعقول أن نشاهد قطر تتولى قيادة حل الأزمات والمعضلات العربية في الوقت الذي اقتصر دور مصر في المنطقة على ضرورة حل أزمة شاليط لعل الكيان الصهيوني يرضى؟!
والله لن يرضى، ويا ريت لو حد شاف الوزير أبو الغيط يسلم لي عليه.