الاتجاه الوحدوي في إفريقيا أقدم من تحرير إفريقيا، وكان فلاسفة التوحيد منذ بدايات القرن العشرين يصرون على أن تحرير إفريقيا من الاستعمار مرتبطٌ بتوحيدِ جهود شعوبها، وعندما انعقدت القمة التأسيسية لمنظمة الوحدة الإفريقية في 25 مايو 1963م كان الاتجاه الذي تبناه نكروما من غانا يصر على الوحدة الفورية، ولكن اتجه المؤتمر إلى التركيز على التحرير أولاً، واكتفى بأن سمَّى المنظمة الوليدة "منظمة الوحدة الإفريقية"، رغم أن كل أهدافها لا علاقةَ لها بالوحدة.
وعندما تحوَّلت هذه المنظمة إلى الاتحاد الإفريقي عام 2002م بأهدافٍ جديدةٍ ومصطلحاتٍ معاصرةٍ، تابعت هدف الوحدة وصولاً إلى الولايات المتحدة الإفريقية، وحلت ليبيا محل غانا في متابعة هذه الوحدة الطموحة.
ولولا أن الاتجاه الذي قادته مصر في قمة شرم الشيخ الإفريقية التي انتهت أعمالها في ساعةٍ متأخرةٍ يوم 1/7/2008م قد ميَّز بين الحكومة التنفيذية والولايات المتحدة الإفريقية- وكلاهما مصطلحان غامضان يتسمان بالطموح- لأُعلن في شرم الشيخ عن هذه الولايات المتحدة الإفريقية.
فالمجموعة العربية في القمة الإفريقية تصارع اتجاه التعاون بدلاً من الوحدة مع اتجاه الوحدة الفورية، وعمومًا فإنه بصرف النظر عن فرص تحقيق الوحدة الإفريقية وعن تحفظنا على تحوُّل منظمة الوحدة إلى اتحاد، فإن الثابت هو أن الوحدة هدف يلح على الأفارقة، خاصةً بعد أن أنهَوا المهمة الأولى، وهي التحرر- على الأقل من الناحية النظرية- من الاستعمار.
على الجانب الآخر نرى العالم العربي يتجه بسرعةٍ إلى التفتت بعد مرحلةٍ انتعشت فيها الاتجاهات القومية الوحدوية، وكانت تربط هي الأخرى بين التحرير والوحدة، وضاع الجهد في ترتيب الأولويات العربية بين وحدة ثم حرية ثم اشتراكية، أو هي حرية أولاً ثم وحدة واشتراكية، ولم يحصل العالم العربي على أيٍّ من هذه الأهداف- المراحل الثلاثة- بل اتجه حثيثًا نحو التفكك والتفتت؛ حيث تصر الاتجاهات الأمريكية والصهيونية على تقسيم العراق، ونشر خرائط تقسيم لبقية العالم العربي، بعد أن حدث الانقسام الفعلي في لبنان وفي فلسطين، وحرَّضوا الأقليات العرقية والدينية، والصراع السني- الشيعي، وأعادوا الولاء في المنطقة العربية إلى مراحله الأولى.
فلماذا تتجه إفريقيا إلى الوحدة على الأقل في القرارات والورق، بينما تراجعت كلمات الوحدة والقومية ونحوها حتى من الأدبيات العربية، وأصبح العالم العربي يواجه مخاطر التفتيت الداخلي بعد أن تم تفكيك العلاقات العربية- العربية؟.
في إيجازٍ.. يبدو لي أن "إسرائيل" والبترول والموقع الإستراتيجى للمنطقة هي الأسباب التي عرَّضت المنطقة لهذا التركيز، وقد اشتدَّ هذا التركيز كلما ظهرت شخصياتٌ تغامر باستخدام كلمات الوحدة والقومية، أو تحاول جادةً توحيد المنطقة بما يعاكس مخططات إضعافها.
الطريف أن العرب هم الأقرب إلى تحقيق الوحدة، وأن أشواقهم الوحدوية سابقةٌ على البترول وعلى "إسرائيل"، لكنهم الآن عرضة للتفتيت، فهل الوحدة العربية الآن هي الرد على التفتيت؟ أم أن الوحدة لحظة نضح لا تأتي بقرار؟.
وأخيرًا.. فإن العربَ والأفارقةَ يتطلعون إلى النموذج الوحدوي الأوروبي والأمريكي، وكلاهما يستحيل تحقيقهما في الحالتين العربية والإفريقية لأسبابٍ يطول شرحها؛ أبسطها أن النظم الديمقراطية الأوروبية وقيم الحرية الفردية والنظام الرأسمالي الغربي هي تراث مشترك، رغم تفاوت الدول الأوروبية وتعدد لغاتها وثقافاتها، ولكنها تمكَّنت من الجمع بين الخصائص الوطنية والتنوع في كل شيء وبين درجة رفيعة من درجاتِ الوحدة الحضارية، حتى صار القانون الأوروبي يعلو على تشريعات الدول الأعضاء، فهل الدول العربية مستعدة للتخلي طواعيةً عن سيادتها التي تعتز بها في مواجهة الإقليم فقط؟.