![]() |
|
د. حلمي محمد القاعود |
فرح المخلَّفون من الأعراب بما قاله الرئيس الصليبي المتعصِّب "نيكولاي ساركوزي" في الكنيست اليهودي يوم 23/6/2008م عن ضرورة إقامة دولة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م، وإعلان القدس عاصمةً للدولتين الفلسطينية واليهودية، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.. ظن الأشاوس والنشامى أن كلام الرئيس الفرنسي انتصار ما بعده انتصار، وأنه حقَّق للأمة العربية ما لم تحقِّقه جيوشُها على مدى ستين عامًا، منذ قيام الكيان النازي اليهودي على جثث الفلسطينيين والعرب والمسلمين.
نسي العربان وسلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود- التي رفض ساركوزي أن يجبر خاطرها ويضع قدمه في رام الله- أن الرئيس الفرنسي الصليبي المتغطرس ظل يكيل المديح للغزاة اليهود شعبًا وحكومةً معظم خطابه، ويعبِّر عن صداقة بلاده الحميمة للكيان الإجرامي، وعن صداقته الشخصية للزعماء والقادة والشعب اليهودي الغازي النازي، ثم أردف عبارةً تقليديةً لا يقولها إلا الصليبيون الأمريكان عن أمن الكيان اليهودي الغاصب، وهي أن أمنه من أمن الأمريكان، وصار في خطاب ساركوزي من أمن الفرنسيين!.
كلام الرئيس الفرنسي عن "القدس" وتقسيمها عاصمة للفلسطينيين واليهود أثار حفيظة الحاخام اليهودي الأكبر في فرنسا "جيل بيرنايم" الذي صرَّح لقناة (إف بي إم) الإخبارية الفرنسية أنه لا يوافق على مطلب الرئيس ساركوزي بأن تكون القدس عاصمةً موحدةً لدولتين.. الرئيس الفرنسي يقول ما يشاء، ولكن القدس لا يمكن تقسيمها بأي حال من الأحوال، وأنها ستكون العاصمة الأبدية للكيان اليهودي الغاصب، وقال الحاخام إن لرئيس فرنسا الحق في اتخاذ السياسة الخارجية التي فيها مصالح بلاده وشعبه، ولكن للشعب اليهودي ثوابت تاريخية لا يمكن العبث بها (الأهرام 25/6/2008م).
تأمل ما يقوله الحاخام عن "الثوابت التاريخية"! إنها ثوابت مزعومة صنعتها أساطير النازيين اليهود الغزاة، واصطنعتها قبل أربعة آلاف عام، لتعيد التاريخ إلى الوراء، وتذبح الشعب الفلسطيني، وتشرِّده في المنافي والمهاجر، وتحلّ مكانه شذاذ الآفاق الذين تدَّعي أنهم أصحاب فلسطين الأصليون! بينما يفرِّط المخلّفون من الأعراب في ثوابتهم الحقيقية على أرض الواقع، ويتنازلون عنها مجانًا للغزاة القتلة؛ سعيًا للمزيد من الراحة، وكي لا ينفروا في الحرِّ؛ قل نار جهنم أشد حرًّا لو كانوا يفقهون!.
بالنسبة لي لم يفاجئني غزل ساركوزي في أحبائه الغزاة اليهود؛ فهو ابن الهجمة الصليبية الاستعمارية التي أسست لتجميع اليهود في فلسطين وطرد الشعب الفلسطيني منها، وقد كان الصليبي الاستعماري الهمجي "نابليون بونابرت" أول من حاول تنفيذ الفكرة عمليًّا في أثناء غزوه الوحشي لمصر والشام (1798م- 1801م)، ولكنها لم تتحقق لأسباب شتى، ولكن فرنسا كانت من وراء إنجلترا في تحقيق وعد بلفور، وإقامة الكيان اليهودي على جثث الفلسطينيين عام 1948م، والاعتراف به وتسليحه حتى أسنانه، ودعمه ماديًّا ومعنويًّا، وإنشاء مفاعله النووي الذي صار ينتج قنابلَ يوميةً تهلك الحرث والنسل، وصل عددها في بعض الروايات إلى ثلاثمائة قنبلة، وساندته فرنسا في المحافل الدولية، ودعمته مع آخرين في عدم التوقيع على الاتفاقيات الدولية، وخاصة منع انتشار الأسلحة النووية، ورقص الفرنسيون يوم الخامس من يونيو 1967م في الشوارع ابتهاجًا بانتصار اليهود الغزاة، وراحوا يعاملون المصريين والعرب بكل عنصرية واحتقار! (اقرأ المزيد عن هذا الاحتقار وتلك العنصرية في مذكرات عبد الرحمن بدوي- رحمه الله).
لا يخدعنَّك ما يُقال عن مواقف ديجول وميتران وديستان وشيراك وساركوزي، فهي أقوال مرسلة في الفضاء ونوع من "فضّ المجالس".. لم تستنكر فرنسا مرةً واحدةً عدم تنفيذ اليهود الغزاة قرارًا واحدًا من قرارات مجلس الأمن، فضلاً عن أن ترغمهم على التنفيذ، ولم تستهجن القتل والأسْر والتعذيب ضد الشعب الفلسطيني، وساركوزي نفسه لم يُشِر إلى الحصار القاتل أو الإبادة الممنهجة ضد أهل غزة الأسيرة الصابرة.. كل رؤساء فرنسا وضعوا الكيان الغاصب على الحِجْر الفرنسي، وهدهدوه وأرضعوه بما لذَّ وطاب من أموال وسلاح وتكنولوجيا ودعم اقتصادي وسياسي، أما ماذا قدموا للعرب والمسلمين، فالحال يغني عن المقال.
فرنسا كانت في نهاية القرن الحادي عشر (سنة 1095م) منطلق الحروب الصليبية الوحشية والقائد الرئيس لاحتلال القدس واستعادتها كما يقولون من أيدي الكفرة المسلمين! وفي سبيل ذلك سفحوا دماءً إسلاميةً غزيرةً، وسرقوا ونهبوا وعاثوا في بلاد الإسلام فسادًا وخرابًا، حتى أجلاهم صلاح الدين الأيوبي وأرغمهم على الرحيل!.
تقسيم القدس بين الفلسطينيين واليهود وجعْلُها عاصمةً دليلٌ على الإمعان في إذلال المسلمين والنكاية بهم في ضعفهم وهوانهم وتمزُّقهم وجلوسهم في الظل، وعدم نفرتهم إلى العمل والجهاد وإنفاق الأموال في سبيل الله؛ لأن القدس ممنوع أن تكون عاصمةً للعدو بقراراتهم الدولية التي أصدروها!.
وواهمٌ من يظن أن فرنسا ستعيد إليه أرضه أو وطنه أو قدسه العتيقة؛ فالقوم لا يؤمنون إلا بالقوة، وفلسفة القوة هي التي تحكم سياسة الغرب الصليبي وصنائعه من اليهود النازيين الغزاة.. فلسفة القوة هي التي تجعلهم يقفون هذا الموقف أو ذاك، لا يعنيهم قرارات الشرعية الدولية أو الأخلاق أو الدين؛ فالقوة هي التي تحدد مسار الحركة والمواقف وحين يرون من أمامهم ضعيفًا كسولاً، بليدًا، لا ينفر إلا في اتجاه شعبه وأهله، يطلق عليهم كلابه المسعورة، ويضعهم بين الجدران المظلمة، ويُسوِّد حياتهم بالجوع والفقر والعبودية والفساد وإهدار الكرامة، فلن يعبؤوا به ولن يضعوه في حسبانهم، مهما عوى وبكى وأطلق عقيرته الدعائية للكلام عن السلام وجماله وفوائده، والشرعية الدولية وأصولها ومحاسنها وضرورة احترامها.
ساركوزي لن يعيد القدس لأنه مشغول بشيء آخر؛ هو زعامة بلدان المتوسط واستثمارها اقتصاديًّا وثقافيًّا وإداريًّا وسياسيًّا لحسابه وحساب بلاده وشعبه، وفي الوقت نفسه يخدم اليهود الغزاة، كي يُطبِّعوا مجَّانًا مع العربان، ويفرضوا الأمر الواقع بجعل فلسطين كلها ملكًا لهم، وتوحيد القدس، وجعلها عاصمةً أبديةً لحسابهم، وحساب الصليبية الدولية المتوحشة، وما زال المخلَّفون من الأعراب يقولون: لا تنفروا في الحرِّ!!.
اتصل.. واعتمر!
قنوات فضائية عديدة وبرامج إسلامية مختلفة؛ تتبنَّى للأسف دون أن تدري خدمة بعض المغامرين والمقامرين، بطرح أسئلة غاية في البساطة من قبيل: من هو ثاني اثنين إذ هما في الغار؟ (عمر- عثمان- أبو بكر- علي)، والإجابة كما نرى يعرفها أصغر الأولاد، وتطلب القناة أو البرنامج من المشاهدين الاتصال وتقديم الحل الصحيح، والفائز- بالقرعة طبعًا- يفوز بالعمرة، وللمشترك من نوع خاص فرصة الفوز بالحج إلى بيت الله الحرام!.
لا أعارض فكرة نشر الثقافة الإسلامية عن طريق المسابقات، ولكن المسألة بهذه البساطة تعني أن القوم يريدون دخلاً دون جهد، وكسبًا مشكوكًا فيه باستغلال عواطف البسطاء ومشاعرهم الدينية.
القنوات وشركات الاتصالات- وبعضها معادٍ للإسلام!- ومقدمو البرامج، يستفيدون من أموال الاتصالات، والأمر كله يحتاج إلى فتوى شرعية لأنه يشبه اليانصيب أو اللوتري أو المقامرة.. أعاذنا الله من الشبهات!.
----------
