لا أفهم الضجة الكبرى المثارة الآن ولا الجدال المحتدم حول احتكار بعض السلع والمواد؛ مثل الحديد والإسمنت وغيرهما، والذي أدى إلى بلوغ أسعار الحديد مثلاً آفاقًا عاليةً من الارتفاع؛ وصلت إلى درجة الجنون، ووصلت بالناس إلى درجة الغليان، وكأننا كنا نوقن أو نفترض أو نصدِّق أن السيد عز وشركاءه من رجال الثروة والمنتفعين والمتزوِّجين بالسلطة سيكونون من النزاهةِ والرحمةِ والسموِّ؛ لدرجة أنهم سيغلِّبون المصلحة العامة على مصالحهم الشخصية.
ولا أعلم كيف تسلل هذا الوهم إلى نفوس الناس من العامة والخاصة!! وهْم مصداقيةِ وحَيدةِ وموضوعيةِ ونزاهةِ تلك الفئة من تجَّار السلطة، والذين سعوا إليها بلا شك من أجل مصالحهم ومنافعهم الشخصية؛ دون أي اعتبار لمعاناة الناس الذين خُرِّبَت بيوتُهم وأفلست شركاتهم، ولم يستطيعوا أن يُوفوا بالتزاماتهم بعد أن التهمت أسعار الحديد كلَّ مدخراتهم، وبدَّدت آمالهم، وحطَّمت أحلامهم، وبدأت تتكشَّف أسرار وخبايا ما صنعه أحمد عز في صفقة حديد الدخيلة؛ ليصبح بعد ذلك هو المتحكِّم والمحتكر للحديد في ربوع مصر المحروسة، وما خفي كان أعظم!.
وخطورة القضية يا سادة ليست في احتكار سلعة أو سلعتين، ولكن في تدهور أوضاعنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية؛ من سيِّئ إلى أسوأ، حتى إن السيد رامبو؛ الشهير بأحمد عز، لم يجد أيَّة غضاضة في طرح مشروع احتكار السلع لحماية نفسه وتجارته وثروته من المساءلة القانونية؛ فيقوم هو نفسه بتعديل نصوص قانون الاحتكار لخدمة مصالحه، بل ويغيِّر نص المادة التي تُعفي المبلّغ عن جريمة الاحتكار من العقوبة مثلما يحدث في جريمة الإبلاغ عن الرشوة، إلى عقابه بنصف عقوبة الحبس والغرامة، وهو تعديلٌ يصون مصالحه 100% وكفيل بمنع أي مواطن من الإقدام على الإبلاغ عن جريمة سيعاقَب عليها بالحبس والغرامة التي تصل إلى ملايين الجنيهات، وبالتالي الردم على كل الجرائم التي تقع في مجال الاحتكار؛ خشيةً على نفسه، وكان ينبغي أن ينأى بنفسه هو بالذات عن طرح القانون أو تعديلاته لكونه المتهم الأول بالاحتكار ودرءًا لأية شبهة.
وفي حواره في برنامج "العاشرة مساءً" حول ذات الموضوع شعرتُ باستفزاز في كثير من إجاباته، ولكن أشدها إيلامًا وأكثرها قسوةً لنفسي وكأنه يستهين بعقول المشاهدين؛ حين برَّر تعديل نص المادة للمبلِّغ عن جريمة الاحتكار من العفو الشامل إلى توقيع نصف العقوبة بدعوى الخشية من البلاغات الكيدية!! وهي إجابة ساذجة تحمل قدرًا كبيرًا من الاستخفاف بالمشاهدين والرأي العام، ناهيك عن القانونيِّين الذين يدركون أن الكشف عن كيدية الاتهامات هو من سلطات النيابة العامة التي ندرك ونؤمن بقدرتها على معرفه البلاغ الكيدي من البلاغ الحقيقي.
ولكن منذ متى وتلك العصبة من أصحاب الثروة والسلطة تحرص على أي اعتبار للرأي العام؛ بعد أن قاموا باحتكار السلطة ومنع تداولها، وهي دون شك أخطر وأكبر بكثير من احتكار بعض السلع، وسكت الناس أو أُسكتوا عن الجدال حول احتكار السلطة، إلا بعضًا من حوارات لبعض النخب والكتَّاب على سبيل التنفيس، رغم أنها هي أسُّ البلاء، وهي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من خراب وفساد واحتكار، بل قل- إن شئت- احتقارًا من شعوب الأرض لنا بعد أن أصبح الناس أنفسهم في نظر تلك العصبة سلعًا تباع وتُشترى، لا اعتبار لها ولا مراعاة لآلامها أو أحلامها.
إن الذين احتكروا السلطة ومنعوا تداولها ولم يجدوا من يأخذ على أيديهم هم هم الذين يمارسون نفس الدور المشين ويتاجرون الآن في دماء الناس بعد أن امتصوا كل مدخراتهم وأكلوا أموالهم وحطَّموا آمالهم.