"أمي أنا هاشيل الرياضة، التفاضل والتكامل كان "صعب"، والمراقبين قالوا لنا، إنتوا فقراء والامتحان اتسرب في المنيا علشان عندهم فلوس"، هذه آخر كلمات قالها طالب الثانوية العامة، حسن محمد يسري "١٦ سنة" لوالدته، ثم خرجت الأم من المنزل وعادت لتجد ابنها قد صنع "مشنقة" لنفسه في باب الغرفة، وتخلص من حياته.. هكذا ذكرت جريدة (المصري اليوم) في حوارها مع والدة الطالب الذي قام بالانتحار أول أمس.
وفي مكان آخر وفي نفس اليوم استقبل مستشفى بورسعيد العام الطالبة ميرهان هاني سالم "١٨ سنة" طالبة بالثانوي العامة ولفظت أنفاسها الأخيرة أثناء إجراء الإسعافات الأولية.
وبسؤال الأب والأم عن أسباب الحادث أكدا أن ابنتهما كانت تمر بظروف نفسية صعبة أثناء أدائها امتحانات الثانوية العامة بالصف الثالث؛ مما أدى إلى توترها قبل امتحان الديناميكا والإستاتيكا، فألقت بنفسها من شرفة الدور السادس، في الساعات الأولى من صباح أمس، ولفظت أنفاسها الأخيرة أثناء محاولة إسعافها وإنقاذها داخل المستشفى.
كانت هذه الأخبار المؤلمة التي حملتها لنا الصحف الأيام الماضية.. جلست في حالة من الحزن أسأل نفسي: ما هذا الذي يحدث في بلادنا؟!
لقد انكشفت سوءات العملية التعليمية فجأةً، واتضح عوارها وفشلها ما بين تسريب الامتحانات والذي أثبتت التحقيقات الأولية أنه عملية منظمة تتم من عدة سنوات، وبين عملية ذبح الطلاب وإنهاكهم وانتهاكهم في امتحانات صعبة من أجل الحصول على مكان في كلية مناسبة، في حين أن طلاب الشهادات الأجنبية المعادلة يتمتعون بتعليم محترم يعتمد على القدرات والفهم وعلى رغباتهم بدلاً من التلقين والحفظ والصم وتسريب الامتحانات!!
ومعهم أيضًا طلاب الجامعات الخاصة الذين يجدون غايتهم في أي كلية يريدونها دون النظر لنصف أو ربع درجة فأصبح التعليم في مصر، لمن يدفع ويملك، في دولة لم تزل كلمة (اشتراكية)، من دستورها إلا من عدة أشهر!!.
يا سادة.. هل تتصورون معي ما يحدث؟! 800 ألف طالب يلهثون وراء أماكن محدودة بالكليات!! توتر وقلق أصبح لمدة عامين بعد أن كان لعام واحد!!. كم من المليارات تُنفَق على الدروس الخصوصية؟! وكم من الجهود تبذل من أجل امتحان ومناهج لا تقيس قدرات الطالب وإمكانياته الإبداعية والذهنية أكثر من أنها تقيس قدرته على الحفظ وقدرة مدرسه الخصوصي على توقع الأسئلة؟!!
المذهل في الأمر هو حجم اللا مبالاة الذي أظهره المسئولون عن العملية التعليمية في بلادنا، نفس الإجابات المكررة والعبارات الممجوجة التي تستخف بنا؛ عندما يتحدث الطلاب عن شكوى من امتحان التفاضل والتكامل يكون الرد فورًا أن الامتحان في مستوى الطالب المتوسط.
وعندما يزداد النقد أكثر يكون الحل في توجهات الوزير بإعادة توزيع الدرجات، وعند البحث والتنقيب من أهل الخبرة عن معنى إعادة توزيع الدرجات يكون الرد أنها عملية وهمية لتهدئة الطلاب والرأي العام!!، وعند مناقشة الشفافية في عملية الامتحانات برمتها وموضوع تسريب الامتحانات.
يصلنا الرد معلَّبًا وجاهزًا: إنها عملية محدودة ولن يفلت أحد من العقاب!! ولا أعلم كيف تكون محدودة وسعر بيع أسئلة المادة الواحدة أصبح 50 جنيهًا وامتد بيع الأسئلة على الأرصفة ونواصي الشوارع.
يا سادة.. ما يحدث الآن في مصر خصوصًا في العملية التعليمية هو ناقوس خطر يهدِّد مقدّرات أمة وشعب.
وللمسئولين في بلادنا أصرخ في وجوههم وفي آذانهم؛ فلا ينفع مع هؤلاء همس في الأذن ولا كلام في الوجه.. أقول لهم: كفاكم عذابًا لهذا الشعب.. كفاكم عبثًا وإهمالاً مع شباب هذا البلد.. نريد إصلاحًا شاملاً للعملية التعليمية بأيدي علماء مصر الشرفاء، وليس عن طريق المنحة الأمريكية المشبوهة لتطوير المناهج والتعليم في مصر!!.
تبقى كلمة أخيرة..
نادى كثير من الكتَّاب ورجال التعليم الشرفاء باستقالة وزير التعليم نتيجةَ تسريب الامتحانات ووضع بعض أسئلة الامتحانات بصورة تعجيزية.. ولهم أقول: الموضوع ليس في استقالة وزير.. كان الأمر سيكون سهلاً ويسيرًا، الموضوع متكامل؛ سرطنة المبيدات، وغرق العبارات، وتزوير الانتخابات، وسرقة وتهريب المليارات، وبيع الشركات والبنوك بأبخس الأثمان لجهات مشبوهة وتسريب الامتحانات منظومة كاملة لا ينفع معها إلا: استقالة نظام.
---------
* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- haythamabokhalil@hotmail.com