يدخل في نطاق الخرَّاصين- أي الكذابين- مَن يدَّعي أنَّ في مصر "صحفًا قومية", أي صحفًا تُمثل إرادة الشعب، وتعبر عنه، وتتحدث بصوته؛ فـ(الأهرام)، و(الأخبار)، و(أخبار اليوم)، و(الجمهورية)، وغيرها مما يطلق عليه لقب "صحف قومية" ليست من القومية في شيء، إنما هي- في واقعها- "صوت سيدها"، وسيدها هو الحاكم وحزبه.
فهي الصحف المتحيزة بعنجهيةٍ ودمامةٍ للحكومة والحزب المسمى بالوطني الديمقراطي، وهو في الغالب تميز طائش حرمه الله من المعقولية والمنهجية العلمية, وإن تدفق بالنقمة والحقد والهياج الوحشي؛ لا على الفساد والسقوط والحرمان والضياع الذي يعيشه شعبنا المنهوب المطحون, ولكن على جماعة الإخوان وسعيها السلمي الناشط لإنقاذ هذا الوطن, وتربية أبنائه, وإعادة بنائه سياسيًّا واقتصاديًّا وخلقيًّا على أسس قيميّة قيمة سديدة.
وأعرض في السطور الآتية نصًّا من إفرازات أحمد موسى، نائب رئيس تحرير (الأهرام)، وما أكثرها!:
المرشد يأكل جمبري وقواعده تبحث عن الدواء!
في الوقت الذي تبحث فيه قواعد جماعة الإخوان المحظورة عن ثمن الدواء, نجد أن المرشد مهدي عاكف يتجول في المدن والمحافظات الساحلية للبحث عن مطاعم الأسماك الشهيرة من العين السخنة للإسكندرية ليتناول وجباته الغذائية المُفضَّلة، ويدفع قيمة الفواتير بمبالغ كبيرة لا تتناسب مع حالةِ الزهد التي يحاول المرشد ورفاقه الظهور بها لكسب تعاطف الغلابة؛ فالرجل لا يعنيه مَن هم داخل السجون؛ فهو ينام مرتاح البال دون مبالاةٍ، ويبدو أنه ذهب هذه المرة إلى أحد المطاعم الشهيرة بالإسكندرية لتناول الغذاء المفضَّل للهروب من تساؤلاتِ قواعده عن الذمة المالية والأموال التي تدخل للجماعة دون حسيبٍ أو رقيب.
وحتى تكون قواعد المرشد شاهدة على تصرفاته فأُقدم إليهم قائمة بفاتورة الغداء الذي تناوله عصر يوم الجمعة 6 أبريل الحالي بمطعم شهير بالإسكندرية، وشملت أنواعًا مختلفة، وهي: 6 كيلو بوري بمبلغ 224 جنيهًا, و2 كيلو سمك موسى بمبلغ 136 جنيهًا, 2.5 كيلو جمبري جامبو بمبلغ 484 جنيهًا, وكيلو سمبيط بمبلغ 60 جنيهًا، 2 كيلو بربون بمبلغ 172 جنيهًا, و3 شوربة سيفود بمبلغ 60 جنيهًا, وبلغت فاتورة غداء المرشد وصديقيه 1136 جنيهًا (ألف ومائة وستة وثلاثون جنيهًا).. بالهنا والشفا!! (أحمد موسى- الأهرام 14/4/2007م).
والنظر الموضوعي لهذا الإفراز الذي قدَّمه أحمد موسى بالسطور السابقة يقودنا إلى الملاحظات الآتية:
- أن هذا لا يُستَغرب من أحمد موسى؛ فالرجل قد دأب على أن يقدم كل سبت في (الأهرام) صفحةً من الهجوم الشرس الكذوب على الإخوان المسلمين؛ أفرادًا وجماعةً، خالعًا عليهم تهم: الغدر، والخيانة، والنصب، والتزوير، والاتصال سرًّا بالأمريكان.
وبنظرة واحدة أرى من الواجب والحق تفصيل هذه الملاحظات:
1- يزعم أن قواعد الإخوان المسلمين يبحثون عن ثمن الدواء، وأنا أقول إنهم ليسوا بهذه الصورة التي افتراها أحمد موسى؛ فهو لو خالط الإخوان لرأى التكافل في أزهى صوره.
2- البحث عن مطاعم الأسماك المشهورة لا يحتاج إلى عناءٍ وتجولاتٍ في المدن والمحافظات الساحلية، أي للبحث عن مطعم من العين السخنة إلى الإسكندرية، زيادةً على أن تنقلات المرشد معروفة ومكشوفة، كما أنه كان بإمكانه- إن كان لا يعرف- أن يسأل واحدًا أو أكثر، ومنهم أبناء سواحل، عن أشهر محلات السمك.
3- الإخوان لا يتظاهرون يا موسى بالزهد؛ فهم يعيشون كبقية الناس؛ كل منهم تبعًا لمستواه المادي.
4- أحمد موسى للأسف أعطى نفسه الحق في معرفة دخائل الآخرين ومقاصدهم الدفينة، وهذا ما لم يٌعطـه النبي- صلى الله عليه وسلم- نفسه وهو القائل: "لنا الظاهر، وعلى الله السرائر".
5- ولأن الكذب "ما لوش رجلين" كما يردد عامة الناس نرى كذب صاحبنا فاضحًا؛ فهو يدعي أن المرشد ومعه صديقان أكلوا ما يأتي:
2.5 كيلو جمبري + 6 كيلو بوري + 2 كيلو سمك موسى + 1 كيلو سمبيط + 2 كيلو بربون + 3 شوربه سيفود، فيكون المجموع 15 كيلو جرامًا (غير الأرز والخبز).
وهذا معناه أن كل واحد من الثلاثة (المرشد وصديقيه) أكل 5 كيلوجرامات من الأسماك.
وهذا ما لا يصدقه أشد الناس سذاجةً وهبلاً، ولكن يشاء الله أن يفضح صاحبنا بدليلٍ من قلمه الذي يتهم الإخوان كل سبت بأشنع وأخس ما يتصوره الإنسان.
***
وشأن صاحبنا هذا كشأن بقية أعضاء "مدرسة المستنقع" الذين عاشوا على تزييف إرادة الشعب، وتبرير تصرفات الحاكم وحزبه الوطني، وتهيئة النفوس لقبول ما سيعلنه من قرارات.
ولنعش دقائق مع بعض ما قاله ممتاز القط قبل مد قانون الطوارئ بأيام بتهيئة الشعب المطحون، فكان ضمن ما كتبه في أخبار اليوم بتاريخ 24 من مايو 2008م:
"غريبة أن تبدأ أبواق المعارضة في الحديث عن قانون مواجهة الإرهاب، وسبب تأخر تقديمه لمجلس الشعب.. غريبة أن يكون سلوك صحف المعارضة والصحف المستقلة هو مجرد خالف تعرف، ومحاولة التشكيك والإثارة حول كل شيء في بلادنا.
صحيح أن مدة حالة الطوارئ سوف تنتهي هذا الشهر، ولكن قرب انتهائها لا يعني أن تقوم الحكومة بتقديم قانون لم يطرح بعد للنقاش والحوار المجتمعي والاتفاق الشعبي عليه، ولو فعلت الحكومة ذلك لانطلقت نفس الأبواق تتهم الحكومة بالتسرع وعدم أخذ الوقت الكافي لمناقشة القانون الجديد.
كنت أتوقع أن تبادر هذه الصحف بالإشادة بسلوك الحكومة في عدم التسرع بطرح القانون الجديد في خضم عدد هائل من القوانين الاقتصادية المهمة التي يناقشها مجلسا الشعب والشورى؛فحالة الطوارئ لمفروضة-وفقًا لقانون الطوارئ- تستخدم حتى اليوم إلا في حالات ضيقة لمواجهة بعض عمليات الإرهاب والاتجار بالمخدرات، كما أن القانون الجديد لابد أن يأخذ الوقت الكافي للنقاش والحوار، ودراسة كل القوانين المثيلة في جميع دول العالم المتقدم، ومنها الولايات المتحدة وفرنسا، وحتى "إسرائيل" التي يتغنى بوش بجو الديمقراطية الذي تعيشه، رغم وجود قانون للطوارئ معمول به منذ قيامها، واحتلالها فلسطين عام 1948.
كنت أتوقع أن تشيد هذه الصحف بعدم التسرع في طرح القانون الجديد بمد حالة الطوارئ لحين الانتهاء من القانون الجديد الذي يهدف أول ما يهدف إلى حماية الحريات وحماية أمن واستقرار الوطن، في منطقة تنوء بالأحداث والصراعات والعنف والتوتر.
من الطبيعي أن يأخذ مشروع القانون الجديد الوقت الكافي لكي يأتي محققًا لأهدافه في الحفاظ على أمن واستقرار مصر، ولا يشكل أي قيود على حريات المواطن، ويواكب أيضًا الجرائم المستحدثة التي أفرزتها ثورة الاتصالات، ويكفي أن نعرف أن كل الدول المتقدمة التي لديها قوانين خاصة لمواجهة الإرهاب تقوم الآن بدراسة بعض التعديلات الجديدة عليها لمواكبة التطور الرهيب الذي تشهده الجريمة المنظمة، وتنوع أدوات الإرهاب وتطورها.
إن مد حالة الطوارئ لن يخيف سوى هؤلاء الذين يسعون إلى النيل من مصر، وأمنها واستقرارها، والعبث بمقدرات شعبها".
***
وبحرارة عاتية، وغضب مسعور, ولأنني كتبت أبياتًا أفضح فيها النفاق والمنافقين، فتح رئيس تحرير الجمهورية علينا مدفع إفرازاته، فكتب:
بقلم: محمد علي إبراهيم
طبقاً لفتوى إخوانية!
القط وسرايا وعبد السميع وموسى.. وأنا في جهنم وبئس المصير لأننا.. كفّار!!
تصفح الإنترنت متعة وتسلية وثقافة.. لكنه بالنسبة لي أكثر من ذلك.. إنه رحلة في عقل الآخر وبالذات في عقول الإخوان المسلمين وكبار مفكريهم ومنظريهم الذين لا يجدون متنفسًا يبثون فيه سمومهم سوى شبكة الإنترنت.
مواقع الإخوان على الإنترنت فيها كل شيء، وأحيانًا ما تكون مسلية ومضحكة، وفي أوقات أخرى أجدها سوداوية حاقدة.
الأسبوع الماضي كنت أتصفح الشبكة "العنكبوتية" كما يقولون عنها، فوجدت مقالاً للدكتور جابر قميحة بتاريخ 8 مارس الماضي كتبه وخصصه عن المنافقين وأساليبهم في تسويق وترويج الباطل.
وقد افتتح الدكتور مقاله عن النفاق والمنافقين بأن قال إن في مصر مدرسة مستنقع صحفي ينتمي إليها ممتاز القط وأسامة سرايا وعمرو عبد السميع وأحمد موسى وكاتب هذه السطور وغيرهم، وغيرهم.
وقد ساق سيادته أبياتًا من الشعر في ذمنا وقدحنا باعتبارنا رءوس النفاق التي أينعت وحان قطافها فقال:
يقبلون تراب المحسنين لهم
وفوق أرؤسهم قدت لهم قدم
عُمي عن النور في آذانهم صمم
لا ينطقون بحق إنهم بكم
يرضون بالدون والدنيا إذا نعموا
أما إذا حرموا أطماعهم نقموا
كأنهم في مسار العمر قد خلقوا
بلا عقول فهم في عيشهم غُنم
المقال الذي ظهر على موقع (إخوان أون لاين) كفيل بأن يسجن صاحبه لما احتواه من ألفاظ ليست من قبيل السب والقذف والشرشحة فقط، ولكنها أيضًا تتضمن تحريضًا صريحًا على القتل؛ فقد اتهمنا بالكفر ونحن على دين محمد، واتهمنا بأننا منعدمو القيم ولا نتمتع بأي صفة من صفات الرجولة.
هذا المقال الذي تتناقله مواقع الإخوان الآن هو إحدى صور التعامل مع الآخر، ويتطابق مع وصف المرشد العام المصريين المعارضين بأنهم سيُضربون بالنعال، وقال "طظ في مصر وأبو مصر واللي في مصر".
لقد وصفنا كاتب المقال د. جابر قميحة بأوصافٍ دنيئةٍ وخسيسةٍ يعاقب عليها القانون، لكن الجديد في الأمر هو الطريقة التي يمكن للإخوان أن يطبقوها على معارضيهم والاستعانة بأحكام الدين؛ فقد أثبت صاحب المقال أنه من السهل جدًّا تطويع نصوص القرآن وتطبيقها على الذين يخالفونهم في الرأي؛ فقد وصف الصحفيين الخمسة بأنهم "مدرسة النفاق"، وبالتالي فإننا- كما يقول- يصدق فينا حكم الله- سبحانه وتعالى- عندما يقول في محكم آياته: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة).
وأنا أقول: ما أصدقَ المثل العربي "يكاد المريب يقول خذوني"، والرجل يهددنا بالأمن، ويستعديه علينا، فيواصل إفرازه قائلاً:
وهكذا وبمنتهى البساطة حكم علينا الدكتور أن مآلنا جهنم، واستعدى الناس على قتلنا.. الدكتور جابر في مقاله يؤكد أننا رءوس النفاق، ولا بد من قطعها لأن مثلنا مثل من حاولوا إشعال الفتنة بين المهاجرين والأنصار.
واعذروني وأنا أقول إن هذا الذي استباح دمنا ووضعنا في مرتبة المنافقين الفاسدين استعار لنفسه صفات العلي القدير ليحاكمنا على ما اقترفناه من شرور وآثام في انتقاد الإخوان.
لقد اشتغل "الإخوان" بالسياسة وتركوا أمور الدعوة؛ لذلك عليهم أن يتحملوا النقد، بل النقد القاسي؛ لأنهم غير معصومين، أما مسألة إعدامنا أو قتلنا أو وضعنا في مرتبة واحدة مع الكفار والمشركين؛ فهذا ليس اختصاصهم، ولا يستطيعونه مهما طالت ذقونهم أو كبرت زبيبة الصلاة على جباههم أو بسملوا وحوقلوا.
الحكم على المسلمين بأنهم كفار أو غيره هي صفة من صفات الله عز وجل، ومن يفتي بغير ذلك مجنون أو معتوه.
لقد كنت أستطيع أن أملأ هذه المساحة بآيات وأسانيد تؤكد أن جابر وشركاه يمارسون الحكم على صلاحية المسلم لدخول الجنة أو تحويله إلى جهنم وساءت مستقرًّا ومقامًا، لكني آثرت أن ألتزم بنقد مهذب ربما يكون فيه سخرية، لكن ليس فيه إسفاف أو ابتذال أو سب وقذف؛ لأننا في النهاية سنقف أمام الواحد الديان يوم القيامة فيحاسبنا على حصائد ألسنتنا التي قال عنها- عليه الصلاة والسلام- إنها تكب الناس على وجوههم في النار.
لا أريد أن أضيع حسناتي إذا كان لي منها نصيب في الرد على سفيه أو أرعن.
***
وما قاله الرجل، وما أثاره من ضجيج يعد عبثًا طفوليًّا لا يستحق الرد عليه، ولا حتى النظر إليه، وإذا لم تستحي فاصنع وقل ما شئت.
-----------