الثابت أن "إسرائيل" والولايات المتحدة هما اللاعبان الأساسيان فيما يحدث في المنطقة العربية والشرق أوسطية عمومًا، وبشكل أخص فيما يتصل بإيران، والثابت أيضًا أن "إسرائيل" التي تعتمد على نفسها وتطوِّع واشنطن لما تريد لا تطيق إيران بوضعها الحالي كدولة دينية؛ تصرُّ على أن تكون دولةً إقليميةً، وتسعى إلى حيازة الأوراق اللازمة لذلك، بعد أن تبين "لإسرائيل" وواشنطن أن إضعاف العالم العربي والقضاء على حلفاء أقوياء مثل صدام حسين قد جعلهما وجهًا لوجه مع إيران.

 

وقد تركت "إسرائيل" وواشنطن العالمَ يتأرجح بين الاعتقاد بهجوم وشيك على إيران أمريكي- "إسرائيلي" أو "إسرائيلي" بدعم أمريكي، وتراجع هذا الاعتقاد؛ كلما تراجعت عبارات التهديد، ونشطت الجهود الدبلوماسية لتسوية الأزمة النووية التي افتعلها الغرب بضغط "إسرائيلي" واضح، في إطار استجابة الغرب لخطة "إسرائيل" في إعادة صياغة المنطقة حتى تكون نزهةً لها، تختفي فيها المقاومة لعدوانها، ومنغّصات بسط هيمنتها السياسية حتى يتاح لها استكمال التهام فلسطين.

 

هذا التأرجح في الاعتقاد بضربة لإيران بدأ منذ خمس سنوات على الأقل- أي منذ الكشف عن برنامج إيراني لتخصيب اليورانيوم، وإصرارها عليه، ورفض كل الحلول البديلة- لا يزال قائمًا حتى الآن، ولكن يبدو أن هناك مؤشراتٍ ودواعيَ للاعتقاد باقتراب هذه الضربة، نوجزها فيما يلي:

أولاً: استمرار الإصرار "الإسرائيلي" على وقف البرامج النووية الإيرانية، والحيلولة دون وجود إيران السياسي كطرف داعم للمقاومة العربية ضد "إسرائيل" وأمريكا؛ يقابله إصرار إيراني على برامجها وعلى دعم المقاومة والمطالبة بالاعتراف الأمريكي بها كقوة إقليمية معتبَرة تعاظمت أوراقها، ولكن واشنطن تستمر في تجاهلها والإصرار على تقزيمها؛ معنى ذلك أن صراع الإرادات لا يزال قائمًا ولم يتزعزع.

 

ثانيًا: منذ عام 2003م تشير مجمل التطورات خلال السنوات الخمس الماضية إلى عدم نجاح المشروع الصهيوني الأمريكي في تحقيق أهدافه في العالم العربي بسبب المقاومة، بل وإلحاق العديد من الأضرار والهزائم له؛ انعكست على الساحة الدولية وعلى تراجع مكانة الولايات المتحدة وصورتها، كما انعكست على الساحة العربية فيما يمكن القول بأنه انكسار للخطط "الإسرائيلية" في لبنان وفلسطين أمام المقاومة العربية.

 

ثالثًا: شعور "إسرائيل" بعجز واشنطن، واستماتة إيران في تنفيذ مشروعها وفشل جميع محاولات كسر التحالف الرباعي بين سوريا وإيران وحماس وحزب الله، رغم جدية كل هذه المحاولات، وآخرها ما حدث داخل الساحة اللبنانية، ووحشية العدوان والحصار والإبادة في غزة، واستعداء رئيس السلطة على حماس وتشويه صورتها، وجرّ العالم كله وراءها ضد حماس، ودعمًا للحصار، ومحاولة استدراج سوريا عن طريق تركيا وفرنسا؛ بالتلويح بردِّ الجولان وكسر العزلة السورية مع الغرب وفي المنطقة.

 

رابعًا: شعور "إسرائيل" بعجز واشنطن عن دفع العالم العربي إلى معاداة إيران بشكل جدِّي، والتحرش الإعلامي والسياسي بها داخل الدول الحليفة لواشنطن بصور مختلفة دون جدوى، وكذلك تقدير "إسرائيل" بأن بوش هو آخر أنبياء بني "إسرائيل" من غير اليهود، وأن مزاج البيت الأبيض يستحيل أن يستمر مع "إسرائيل" ويقدِّر شعورها لمعاداة إيران قربى إليها وضد المصالح الأمريكية، وقد تنامى شعور "إسرائيل" بالقلق والعزلة النفسية كلما اقتربت ولاية بوش من نهايتها، وتداعي قدرات الزعامات في "إسرائيل" بعد شارون، وتنامي عدم ثقة الناس في "إسرائيل" بجيشهم وقدراته على حماية مشروعهم السرطاني العدواني، وتنامي إدراك "إسرائيل" بأنه ما لم تقُم بضربة لإيران فلن تتمكن من ذلك بعد الآن، وعليها أن تعدَّ نفسها لمرحلة التعايش مع إيران وامتدادها، وهو أكبر الأخطار على المشروع الصهيوني، خاصةً بعد إعلان نجاد صراحةً في أكثر من مناسبة عن توقعه لمصير "إسرائيل".

 

خامسًا: ترافقت هذه الاعتبارات والدواعي مع سياسة التهدئة الشاملة التي بدأتها "إسرائيل" مع حلفاء إيران؛ مع حماس ومع سوريا ومع لبنان؛ عبر الدولة اللبنانية، وعرض السلام مع لبنان، وتركيز واشنطن على حل المشكلة في مزارع شبعا؛ أملاً في أن هذا الانحناء التكتيكي للعاصفة يؤدي إلى القضاء على العامل الإيراني المناوئ للمشروع الصهيوني والمشروع الأمريكي في العراق.

 

وفي نفس الوقت تُجري "إسرائيل" مناوراتٍ جويةً مستمرةً؛ آخرها يوم 20/6 مع إشارة أمريكية إلى أن هذه المناورات تتصل بما يدبَّر ضد إيران، ويتزامن ذلك مع رفض إيران عرض الحوافز الذي قدمته أوروبا، وتصميم بوش على ألا يغادر البيت الأبيض حتى يُنهي طموحات إيران النووية.

 

فهل تكفي هذه المؤشرات للاعتقاد بهجوم "إسرائيلي" وشيك على إيران أو أن تلك موجةٌ من موجات هذا الاعتقاد الكثيرة؛ التي ظهرت مع مؤشرات أخرى، ولا بد أنها سوف تنحسر هي الأخرى، على أساس أن واشنطن في أضعف أحوالها ولا تستطيع مساندة مغامرة كبرى، كما أن ما يمكن أن تُلحقه إيران من أضرار "بإسرائيل" وأمريكا يدفع الطرفين إلى معاودة التفكير في هذه المغامرة الكبرى؛ لأنه ما لم تُقطع رأس الأفعى فإن مجرد مهاجمة الرأس يدفع الأفعى إلى ردود غير محسوبة؟!

 

لقد اعترفت صحيفة (نيويورك تايمز) يوم 20/6 بأن "إسرائيل" مصرَّة على مهاجمة إيران، وصمتت واشنطن إزاء هذا الكشف، ولكن واشنطن أكدت أنه يستحيل أن تقوم إيران بالهجوم، وأن واشنطن تفضِّل الدبلوماسية على استخدام القوة.

 

فهل نصدِّق التسريبات الأمريكية و"الإسرائيلية" حول التدريبات العسكرية وأهدافها عقب تسليم إيران سلة الحوافز الغربية؛ حتى يكون التلويح بالقوة سبيلاً إلى دفع إيران للقبول بهذه الحوافز، لكن ينهي الاتفاق الأمريكي "الإسرائيلي" على أنه يستحيل أن تستمر إيران في برامجها النووية، فضلاً عن ترخيص "أوباما الإسرائيلي" بمهاجمة إيران دفاعًا عن نفسها يدخل المؤشرات هذه المرة في دائرة التطرف الجدية إلى الإعلانات "الإسرائيلية" والأمريكية.