![]() |
|
د. حلمي محمد القاعود |
أخيرًا تفاوض العدو النازي اليهودي مع منظمة المقاومة الإسلامية حماس بطريقة غير مباشرة عن طريق الوسيط المصري(!)، ولم يستطِع أن يمليَ شروطه كما كان يحدث مع الآخرين من قبل، لقد قبل بوقف إطلاق النار بدءًا من الساعة السادسة صباح الخميس 19/6/2008م لمدة ستة أشهر، لتكون أول تهدئة عسكرية مقابل رفع الحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر، والتفاوض حول إطلاق الجندي الأسير "جلعاد شاليط"!.
التهدئة تحقَّقت حتى كتابة هذه السطور (مساء 24/6/2008م)، وعند الظهيرة قامت قوات العدو باغتيال أحد قادة سرايا القدس، الجناح العسكري لمنظمة الجهاد الإسلامي في نابلس بالضفة الغربية، وردت السرايا بإطلاق الصواريخ من غزة على سديروت؛ فأصابت اثنين من الغزاة من سكان المغتصبة.
لا أحد يعلم ماذا سيحدث بعد الاختراق الصهيوني للتهدئة؛ السفاح "أولمرت" كان في توقيت الاختراق يُجري محادثاتٍ مع القيادة المصرية في شرم الشيخ، وخرج متحدثٌ باسمه عقب المحادثات ليقول: إن معبر رفح لن يُفتح إلا بعد الإفراج عن الجندي الأسير، وهذا إن صح يعني تراجعًا على حساب الشعب الفلسطيني المظلوم، فكيف إذا لم تكن الصفقة متوازنةً؟ هل يظل الفلسطينيون محبوسين داخل القطاع؟!
وعلى أية حال فإن الشعب الفلسطيني مع كل العذابات والحصار والقتل والتهجير؛ صار أفضل من ذي قبل، وأصبح قادرًا على إيلام الغزاة، وبعد أن كان البكاء والترويع ودفن الشهداء من نصيبه وحده؛ فقد صار الغزاة القتلة ينزلون إلى المخابئ في سديروت وعسقلان وما بينهما، وصارت هناك إصاباتٌ تُنقَل إلى المستشفيات، وصارت هناك ولولةٌ وصراخٌ وفزعٌ، وأصبحت الصواريخ العبثية- كما يسميها فخامة الرئيس آية الله محمود رضا عباس ميرزا- تخلق ميزان الرعب بين عدوٍّ مدجَّج بأحدث الأسلحة والدعم الصليبي الوحشي من ناحية، وشعب ضعيف مقهور لا يملك طيرانًا ولا دباباتٍ ولا مدفعيةً ولا بحريةً، وتخلَّى عنه العالم بما فيه الأشقاء والأصدقاء من ناحية أخرى، ميزان الرعب أعاد للشعب الفلسطيني الأمل في تقريب يوم الحرية والاستقلال وعودة القدس والمشردين واللاجئين إلى أرضهم وديارهم بإذن الله.
صحافة العدو لم تُخْفِ فرحها باتفاق التهدئة، ومع كل العجرفة والصلافة والتباهي بالقوة الخارقة، فقد أظهرت هذه الصحافة صوت سكان سديروت عاليًا وحاسمًا في قبول التفاوض، والاتفاق مع حماس التي حوصر شعبها سنةً كاملةً حصارَ إبادةٍ وقتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.
تصريحات زعماء العدو فضحت هشاشة القوة النازية اليهودية أمام الصبر والصمود وإبداع المقاومة لدى الشعب الفلسطيني؛ حيث استسلم هؤلاء الزعماء للتهدئة والاتفاق مع حماس، في الوقت الذي كان فيه مليونيرات أوسلو يجرون وراء المفاوضات العبثية بحق دون أن يصلوا إلى شيء، وينتظرون تعليمات الآنسة كوندي التي توجههم في علاقاتهم مع أشقائهم في منظمات المقاومة والدول العربية المجاورة.
ومن المفارقات أن الكاتب الصهيوني "عميت كوهين" نشر في (معاريف) (20/6/2008م) قصة انتصار حماس على الأمن الوقائي لدحلان، ولكن الخبيث يركِّز على اتفاق للتهدئة قيل إنه جرى بين حماس وفتح دحلان قبل الانتصار، ويشير عميت إلى أن هذه التهدئة لم تستمر؛ لأن حماس نقضتها ولم تلتزم بها؛ مما يعني أن التهدئة الحالية لن تستمر وستنقضها حماس وتواصل تهديدها للمغتصبات.
وفي الحقيقة فإن الكاتب الصهيوني عبَّر عن خوف دفين وقلق عميق من إصرار المقاومة على الجهاد في ظل المناخ العسكري السياسي المعاكس لها.
لقد أثبتت المقاومة أن الغزاة القتلة لن تُجدِيَ معهم إلا المواجهة، وأن المفاوضات في ظل التخلي عن السلاح البسيط لن تثمر سلامًا، ولا عودةً، ولا دولةً.
الغريب أن قادة السلطة في رام الله "يحذرون العدو من اتفاق التهدئة، ويعدُّونه خطأً إستراتيجيًّا؛ لأن الاتفاق سيُضعفهم أكثر وأكثر، ويرسِّخ حكم حماس"، كما يقول "عميت كوهين"!.
والحقيقة أن تحذيرات السلطة صارت علنيةً مفضوحةً على لسان سفيرها في القاهرة؛ الذي حمل على حماس حملةً ضاريةً، ولم يفكر المذكور لحظةً في إخوته المحاصرين؛ الذين مات منهم العشرات بسبب نقص الدواء والطعام، ولم يستطيعوا الخروج إلى دولة مجاورة للعلاج!.
ومهما يكن من أمر فإن التهدئة، وليست الهدنة مسألة ضرورية للشعب الفلسطيني مثلما هي ضرورة أشدّ للعدو الصهيوني وأفراده شمال القطاع.. إنها ضرورية للمقاومة الإسلامية من أجل التعبئة ولملمة الأشلاء وتضميد الجراح ومراجعة الخطط وإعطاء الشعب في غزة لحظة استراحة يلتقط فيها أنفاسه، ويستعدُّ من جديد لدفع الضريبة التي يفرضها الجهاد.
إن التعبئة مسألة إستراتيجية، وهي ليست قاصرةً على منظمات المقاومة، ولكنها ضرورية في الضفة والقطاع، وقد آن الأوان أن يلتقي شرفاء فتح مع منظمة حماس وبقية الفصائل على منهج المقاومة، وعدم التخلي عن السلاح، ورفض التنسيق الأمني(!) مع العدو؛ فالعدو من أخسِّ الناس غدرًا ونذالةً، وليكن شعار جميع الفصائل: قاوم، وفاوض، حتى تأتي اللحظة الموعودة بإذن الله لجني الثمار في هذا الجيل أو الأجيال القادمة.
لم يعد مقبولاً أن يظل أمراء فتح الفاسدون يهيمنون على مقدَّرات الشعب الفلسطيني، ويتغطرسون كلما قال لهم الناس تصالحوا مع أشقائكم، فيردُّون قائلين: لا بد أن ترجع حماس عن انقلابها!! وهذا منطقٌ معكوسٌ وغير مقبول من هؤلاء الأمراء الفاسدين، وأعتقد أن أية مصالحة يجب أن تضع في حسبانها إزاحة هؤلاء، وتطهير فتح وفلسطين منهم، في أي اتفاق للمصالحة ولمِّ الشمل.
يلحق بهؤلاء من يسمونهم المتعاونين؛ أي جواسيس العدو داخل لشعب الفلسطيني، وهم ضعاف النفوس الذين يستغلهم الموساد للإرشاد عن المجاهدين وتحركاتهم وأماكنهم وتقديم المعلومات التي تسبَّبت في مصرع كثير من الشهداء المدنيين والمجاهدين المقاومين.. هؤلاء تنبغي ملاحقتهم ومحاسبتهم وإخضاعهم لهيمنة المقاومة من أجل حرمان العدو من أهم عناصر نجاحه ضدها وضد الشعب الفلسطيني.
ويجب أن يدخل في التعبئة الدور الممكن للدول العربية، وأقول الممكن لأن بعضها صارت مواقفها نسخةً مكررةً من مواقف الآنسة كوندي، ومن الممكن ترك الشعوب العربية ومنظماتها الأهلية لتساعد الشعب الفلسطيني بالطرق المتاحة، وفي الوقت ذاته على حكومات العرب أن تكفَّ عن التهالك على إرضاء الغزاة بالتطبيع المجاني معهم، أو ترديد الخطاب الصهيوني وتبنِّيه.
إن الصمت أحيانًا يكون حكمةً، ويكون بلاغةً، وهو ما نرجوه ممن لا يملكون فعلاً أو قولاً يُرضي ربهم وشعوبهم.
مسئولو قطع الأرجل والأيدي!
بعض الوزراء والمسئولين في حكومتنا الرشيدة لا يعرفون كيف يتحدثون إلى الناس.. أحدهم قبل فترة هدد الفلسطينيين في غزة بقطع أرجلهم، والتهديد ذاته وجَّهه محافظ إلى أهل محافظته، مع إعلانه أن شغلانة المحافظ "وسخة"، وثالث هدَّد بقطع أيدي من يسرقون الدقيق المدعم، ورابع أفتى بأن أحدًا لا يستطيع أن يلوي ذراعه.. هل هذه لغة يتداولها أرفع المسئولين في بلد عريق في الحضارة؛ عمره سبعة آلاف سنة؟!!
-----------
