بالتصريح لا التلميح قالت "إسرائيل" وما زالت إن كيانها قامَ ولا يزال على جوهرٍ واحدٍ هو الإحلال والإبدال، على مختلف المستويات والأصعدة، وعبر كثيرٍ من الوسائل والأساليب كالمجازر والتهجير، والمصادرة والاستيطان، التمدد والاحتلال وفرض الوقائع.

 

وبالحقائق لا بالأوهام أن "إسرائيل" تعتمد وبشكلٍ شبهِ كلي على الدعم الأمريكي والأوروبي غير المحدود لها، وهو "حبلٌ من الناس"، كما وَصَفَ الله تعالى في كتابه الكريم، ويمتد هذا الحبل إلى بعض الدول العربية والإسلامية عبر مراهنةِ هؤلاء على السلام والتطبيع لتثبيت كراسي حكمهم وتحصيل بعض فتات الحقوق.

 

غير أن الذين ليس لديهم أوهام السلام مع الذين غضب الله عليهم، والذين خبروا مواجهة هذا العدو الذين كُتِبَ الله عليه الهزيمة وقهروه، وفي أكثر من موقع، منها:

- في معركة الكرامة في 21 مارس عام 1968م وقتلوا منه أكثر من 250 قتيلاً وأوقعوا ضعف هذا العدد من الجرحى، ودمروا عددًا كبيرًا من دباباته وناقلات جنده وشاحناته العسكرية.

 

- في حرب 1973م ونصر رمضان الكبير الذي أثبت فيه العرب المسلمون وخير أجناد الأرض أنهم قادرون على قهر هذا الجيش الذي رسم حوله هالة وهمية كاذبة من تمتعه بقوة خارقة لا يمكن قهرها، غني عن الذكر أنَّ العدو الصهيوني نجح وما زال في كسب المعركة الإعلامية منذ احتلاله لفلسطين؛ حيث صوَّر الأمر في حينه للعالم أنه وضع شعبه في أرض بلا شعب، فضلاً عن كون هذه الأرض هي موعود الله لهم.. إلخ من هذه الخزعبلات التي ما زال زعماء العالم يكررونها كالببغاوات.

 

- والهزيمة المنكرة والإستراتيجية التي تمكَّنت المقاومة اللبنانية الباسلة من إلحاقها بالعدو الصهيوني في صيف عام 2006م، وقبلها في حرب تحرير الجنوب، رغم أن الذين هزموه هم مجموعة من المقاتلين الأشداء يمتلكون كثيرًا من العزيمة والإرادة وبعض الأسباب الأرضية، وأن المهزوم يصنف كرابعِ قوةٍ عسكريةٍ في العالم.

 

- والتقدم الكبير الذي تحرزه المقاومة الفلسطينية طويلة النفس في الأراضي المحتلة المحاصرة وما زالت، والأهداف التي تُسجلها يوميًّا هذه المقاومة في مواقع العدو ومستوطناته، عبر عمليات المقاومة اليومية؛ الأمر الذي أجبر هذا العدو على التراجع وبإعلانات رسمية عن إخلاء مواقع وقواعد عسكرية كالإدارة المدنية في إيرز، وكقاعدة زكيم للمجندين الجدد، وكموقع شرق خان يونس الذي كاد أن يقتل فيه وزير داخلية العدو آفي ديختر، وأصيب فيه حارسه، والمستوطنون الذين يهربون يوميًّا من مستوطنات غلاف غزة، وعلى رأسها سديروت؛ خوفًا من الموت الذي تحمله لهم صواريخ وقذائف المقاومة، إذن فقد تمكَّنت المقاومة من صنع حزامٍ محررٍ رغم أنف العدو وتصريحاته الكاذبة.

 

- والجدار الذي حاصر الكيان به نفسه به، والذي يُمثِّل قمةَ الانكماش والتراجع عن أحلامه وآماله وأطماعه التوسعية، والذي كان ثمرة عمليات المقاومة في العمق الصهيوني.

 

ولكن وبعد كل هذا الإنجاز الذي أحرزه- ولا يزال- المقاومون المؤمنون بحقهم المسكنون بالإيمان بقدرةِ الله على النصر والتمكين، وبعد كل هذا الانكماش والتراجع لدولة الكيان الصهيوني بصوره المختلفة يقوم البعض بمساعدةِ هذا الكيان من حيث لا يحتسبون، فـ"إسرائيل" تشعر أنها محاصرة من عدة جبهات:

- الأولى: جبهة الملف النووي الإيراني والخوف الكبير الذي يعتري هذا الكيان من التهديدات المتواصلة التي يُطلقها الرئيس الإيراني.

 

- الثانية: الملف السوري وتواتر التسريبات عن الأسلحة الجديدة التي يتزود بها الجيش السوري والتدريبات على حربِ العصابات التي يتلقاها بحيث يصبح الجيش السوري يمارس القتال بأساليب العصابات؛ الأمر الذي أثبتت نجاعته الحرب الفيتنامية وحرب تموز وقبلها حرب تحرير الجنوب على يد حزب الله.

 

- الثالثة: جبهة المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة الشوكة المميتة في خاصرته الجنوبية، والتي تُذيق الكيان كل يومٍ زؤام الحسرات، حتى بات ينكمش ويتراجع ويرضخ لمطالب المقاومة.

 

- الرابعة: جبهة المقاومة اللبنانية التي باتت تصنف كقاعدة إيران المتقدمة، والتي باتت تتمتع بتاريخ عريق من الانتصارات على الكيان الصهيوني، وعلى أعوانه في الساحة اللبنانية، والتي تواصل تسجيل الأهداف في المرمى الصهيوني على أعتاب عملية تبادل الأسرى بين حزب الله والكيان الصهيوني، والتي ما أن تُغلق ملفًا حتى تفتح آخر أكثر التهابًا في وجه هذا الكيان الفاني.

 

إلا أن البعضَ في الساحة الفلسطينية يصرُّ على مساعدةِ هذا الكيان الصهيوني عبر إدامةِ الانقسام الفلسطيني تحت دواعٍ وحججٍ باتت لا تنطلي على كل ذي لُب؛ الأمر الذي شجَّع الكيانَ الصهيونيَّ على إعلانها يهودية الدولة في مؤتمر أنابوليس المهزلة؛ الأمر الذي ينسف كل أساس لدولة فلسطينية مستقلة بالمفهوم الفلسطيني، وليس المفهوم الصهيوني الذي يريد بشدة دولة فلسطينية ككيان وظيفي ينهي القضية الفلسطينية، ويحقق الأمن للكيان الصهيوني ويجعل من نفسه جسرًا للعبور والتطبيع مع كلِّ العالم العربي والإسلامي.

 

كما أن هذا البعض الفلسطيني يساعد الكيان الصهيوني عبر إدامة مفاوضات عبثية باتت مجرد عباءة ينفذ الكيان الصهيوني من خلالها الإمعان في تقسيم الضفة الغربية وتجزأتها من خلال الجدار والمستوطنات، والحفريات تحت المسجد الأقصي وتهويد أحيائه.

 

كما يوجد على الجبهة السورية مَن يساعد الكيان الصهيوني في تفكيك- ولو إلى حين- الألغام المحيطة بالملف السوري عبر إدارة مفاوضات بوساطة تركية تعرف سوريا أكثر من غيرها أنها غير مثمرة، وأن أي قائدٍ جديدٍ للكيان الصهيوني تفرزه الانتخابات القادمة سيتنصل من أي نتائج قد تصل إليها هذه المفاوضات.

 

إلا أننا لا نستطيع اتهام حزب الله بمساعدة الكيان الصهيوني عبر المفاوضات بوساطة ألمانية لإتمام عملية تبادل الأسرى لسببٍ بسيطٍ إن ما يجري على الجبهة اللبنانية هو قطف ثمار زرعتها المقاومة بدمائها وتضحياتها.

 

غير أن المشهد من بعيدٍ لا يشي إلا بأن "إسرائيل" تنجح- ولو إلى حين- بإدارة أزماتها السياسية والعسكرية عبر تحريكِ بعض الملفات تحت عناوين تفاوضية مباشرة أو عبر وسيط، إلى حين استقرار الأمور في الساحتين السياسيتين الداخليتين لأمريكان والكيان الصهيوني- وإلى حين- فرز قيادات جديدة تخوض حروبًا أخرى صنع الكيان الصهيوني لخوضها.

 

وفي هذه الأثناء بالذات تنجح المقاومة الفلسطينية التي تقودها حركة حماس بالخروج من تحت نير الحصار القاتل بصفقةٍ ولو إلى حين تسمح بالتقاط الأنفاس حتى الجولة القادمة من المواجهة الحتمية.

-------------

* صحفي وباحث سياسي