د. حامد أنور

بالرغم من قناعتي بأن جملة تلك الشعارات الأمريكية البرَّاقة؛ من الحرية والتسامح وقبول الآخر.. لا تخرج من جعبتها إلا عند الشعور بالهزيمة والرغبة في احتواء الآخرين، وتستخدمها كحصان طروادة، تستخفي تحتها من أجل التسلُّل إلى أرضنا وبلادنا؛ فكهنة البيت الأبيض وأذنابهم حينما يظهرون علينا لا يرقبون فينا إلاًّ ولا ذمة، ولا يراعون عهدًا ولا اتفاقية؛ ففارق كبير بين خطاب من كانوا بالأمس يريدون سلخ العراق من جسده العربي والإسلامي بعد سقوط بغداد مباشرةً وبين من يتوسل الآن إلى العرب من أجل إرسال سفراء إلى بغداد؛ فحيثما كانت المصلحة الأمريكية تكون شعاراتها.. ولكنني سأتخلى عن قناعتي الشخصية وسنناقش تلك الشعارات البراقة ومدى مصداقية الغرب في تحقيقها وواقعيتها بحيادية تامة.
فالولايات المتحدة تقول إنها قد أتت إلى أرضنا من أجل أن تحرِّرنا، وبما أننا نحن الشعوب المستهدفة من المنتج الأمريكي فيحق لنا أن نتساءل: ممن تحررنا؟ هل من الأنظمة العربية التي تدعمها هي منذ أكثر من نصف قرن، كما أعلن المسئولون الأمريكيون أنفسهم ذلك، على حساب الديمقراطية، وكما توعدهم بوش بأن هزيمته في العراق تعني نهايتهم هم أيضًا؟ أم تحرِّرنا من منظومة القيم والمعتقدات الإسلامية؟ وما هو البديل الذي سوف تقدمه الولايات المتحدة لنا؟ هل قانون الطفل وتجريم الختان ومنع ضرب الأولاد؟!
إن الإستراتيجية الأمريكية قد تغيَّرت في المنطقة؛ فبدلاً من تغيير الأنظمة القمعية التي أوجدوها هم تراجعوا وقرروا الإبقاء عليها ودعمها مع تغيير مناهج الدراسة والنظام التعليمي والتشريعي في المنطقة، وجعله يتوافق مع التشريعات الدولية والمواثيق العالمية والتي تضعها أساسًا الولايات المتحدة، وليس على عبيد العالم الثالث إلا الاستجابة والخنوع، مستلهمين هذا الأمر من تجربتهم مع اليابان في الحرب العالمية الثانية؛ فقد كان اليابانيون يميلون وقتها للأيديولوجية الشيوعية، فرأوا أنهم لو أسقطوا النظام الإمبراطوري فسوف تتحول اليابان إلى الشيوعية، فقرروا أن يبقوا على النظام الإمبراطوري كما هو مع القيام بتغيير المناهج التعليمية اليابانية وفق التصورات الأمريكية.
ولكن.. هل حقًّا تستعبدنا القيم والقوانين الإسلامية؟!.
بدايةً.. لا بد أن نتفق على أن أي تنظيم اجتماعي حتى وإن كان بسيطًا، مثلاً على مستوى القبيلة الواحدة، لا بد أن يخضع لمجموعةٍ من القوانين وإلا يصبح مجتمعًا فوضويًّا، وتنفض عراه بالكامل، خاصةً أن رغبات البشر متناقضة ومتقاطعة ومتداخلة، بل والأخطر متقلبة، فقد أحتاج أن أدخِّن سيجارةً في الوقت الذي تتأذى أنت فيه من رائحة الدخان، إذن.. فلا بد من فض الاشتباك بين الرغبات الإنسانية المتطاحنة، ويجب حينئذٍ سن القوانين والتشريعات التي تنظِّم الشكل والحياة الاجتماعية.
وأمريكا نفسها تحكمها مجموعةٌ من القوانين والتشريعات، والمجتمع الصناعي الغربي بصورةٍ عامةٍ يتميز بالقسوة الشديدة في جملة القوانين التي تنظمه، والتي بدونها لن يحقق أي إنجاز تقني غير مسبوق، وحيثما وجد القانون فهناك تقييد للحريات؛ فالحرية المطلقة هي أكبر أكذوبة في التاريخ؛ فلو أطلقنا العنان لكل شخص في الانقياد إلى رغباته وغرائزه الشخصية سيكون المجتمع البشري أقل من الحشرات.
إن مملكة النحل- على سبيل المثال- تحكمها قوانين واضحة؛ لم يتمرد الذكور مثلاً يومًا ما بسبب القضاء عليهم من الشغالات بعد تلقيح الملكة، وقالوا: إنها تنظر إلينا نظرةً جنسيةً فقط، أو يقولوا إن مجتمع النحل مجتمع أنثوي تحكمه المرأة.. أين حقوق الذكور؟!.. إنها قوانين تنظيم المجتمعات والأمم، حتى في عالم الحشرات؛ إنهم أمم أمثالكم.
إذن.. فنحن سنجد الحلال والحرام الأمريكي بدلاً من الحلال والحرام الإسلامي، فلماذا نترك الأمر الإلهي ونستمع إلى الأوامر الأمريكية؟! وهل أصبحت أمريكا تمارس الوصاية على المجتمعات البشرية؟! وهل أصبحت تحتكر الحقيقة المطلقة حين تريد أن تعمم تشريعاتها المهترئة على العالم كله؟!، إذن.. فالحرية المطلقة وهمٌ كبير.
إن هناك حوارًا مفترضًا بين فولتير وبنيديكت الرابع عشر أورده ول ديورانت في المجلد السابع عشر؛ يبرز فيه كون أن الحرية تتناقض مع شعارات الثورة الفرنسية الأخرى، مثل المساواة والإخاء؛ حيث يقول بنيديكت: "إنك إذا قررت الحرية سمحت للتفاوتات وعدم المساواة الطبيعية أن تتضاعف إلى تفاوتات وفوارق مصطنعة، فإذا أردت أن تمنع تلك التفاوتات فعليك أن تقيد الحرية، وهكذا تصبح مثلك العليا في الحرية ستارًا للاستبداد"، وهذا يتضح في المجتمعات الشيوعية؛ فمن أجل تحقيق المساواة تقمع الحريات.
ولكنني أريد أن أقول هنا كلمةً والإستراتيجية الأمريكية هي التي دفعتني إلى هذا الأمر، وهو تقسيم الحرية إلى حريةٍ سلوكيةٍ وحريةٍ سياسيةٍ؛ فالحرية السلوكية وفق المنظور الأمريكي متاحة لك كيفما تريد إلا من قوانين منع التدخين والتحرش وغيرها، والحرية السياسية هي تلك التي جعلتها السياسة الأمريكية والغربية عمومًا نوعًا من الكهنوت السياسي ممنوعًا الاقتراب منها أو مناقشة أبجدياتها وأركانها؛ إنهم هم فقط من يملكون حق الفيتو.. حق الاعتراض.
فيرى أنصار الديمقراطية الغربية ذات الجذور الإغريقية القديمة أنه يجب منع الأحزاب الدينية من الممارسة السياسية، ويجب حرمانهم من الوجود؛ لأنهم يرفضون اللعبة الديمقراطية ويستغلونها فقط للوصول إلى السلطة، وهم بذلك يُوجدون كهنوتًا سياسيًّا مكان الكهنوت الديني الذي كان في أوروبا؛ فصكوك الغفران والاعتراف بالأحزاب السياسية هم وحدهم من يعطونها.. أليس هذا يتناقض مع مفهوم الديمقراطية ذاتها والتي تدَّعي الحرية لكل التيارات الفكرية؟! فما لها تمارس سياسة الإقصاء لمن تراه مخالفًا لها؟!.
إن الحرية السياسية في الإسلام متاحة للجميع، بل إن من حق كل فرد- وليس ممثلين عنه يمكن شراؤهم بوجبة كباب وكفتة- أن يسائل الحاكم؛ لأن السياسة هي إدارة شئون الأفراد، والتي يتأثر بها كل شخص من الرعية، كما أن أفكار الفرق الضالة عبر التاريخ الإسلامي تجدها في كتب أهل السنة والجماعة منقولةً بموضوعيةٍ تامة دون تجنٍّ والردود عليها.. إنها الحرية الفكرية والسياسية في الإسلام.
أما التسامح وقبول الآخر، فهو يبرز بشكل واضح قمة التناقض في القيم الغربية؛ فإذا كانت الرسوم المسيئة في الدنمارك تنبع من حرية التعبير المقدسة لديهم فإنها تتعارض مع قيم التسامح وقبول الآخر، ومنع طفل فرنسي اسمه "إسلام" من حضور برنامج تليفزيوني بسبب اسمه لهو طعنة أخرى، فإما أن يقيد الغرب حرية التعبير؛ وبذلك تنتفي إحدى القيم الغربية المقدسة من معناها، وإما أن يتنكر للتسامح وقبول الآخر الذي يصدِّع بها أدمغتنا من حينٍ لآخر؛ فالذين حاربوا الشيوعية إبان الفترة المكارثية وفتشوا عن صدور الناس ليس من المعقول أن يتهموا الإسلام بعدم قبول الآخر، خاصةً أنهم غزاة ومحتلون، فهم آخر من يتحدث عن ذلك، كما أن جون لوك- وهو أحد أهم الفلاسفة التي قامت على أيديهم مبادئ الديمقراطية الأمريكية- عندما كتب رسالته في التسامح لم يترك الأمر كله مطلقًا، بل قام بتقييده بمنع التسامح مع أعداء التسامح، وهم في رأيه الكاثوليك والملحدون، ولا أعرف لماذا خصَّهم بهذه الصفة.. هذا هو المتسامح المستنير!!.
وهكذا؛ فإن منظومة القيم الغربية تعاني الكثير من الإشكاليات العجيبة المتنافرة مع بعضها البعض، فهل هو القصور العقلي الإنساني؟.. في الإسلام الأمر بسيط: الذين لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من الديار لا حرجَ في أن تبرُّوهم وتقسطوا إليهم، أما الذين يطعنون في ديننا ويخرجوننا من أرضنا ويسرقون ثرواتنا ويتعدون على مقدساتنا فيجب سحقهم ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 39).
إن التسامح مع الغزاة المحتلين يعني الهزيمة والانكسار، ولكن يبقى السؤال ملحًّا كلما أهرب منه يقرع صوتُه آذاني: هل القيم الغربية متناقضة؟ هل هي غير منطقية غير عقلية؟ هل هي غير قابلة للتحقيق على أرض الواقع؟.
إن الحضارة الغربية هي حضارة دموية بالفعل؛ جدرانها تكوَّنت من أشلاء البشر، وحيثما وضعت يدك في حقبة زمنية من تاريخها المشتعل تخرج مخضَّبةً بالدماء؛ لذلك لا يحق لها أن ترتديَ مسوح الحملان وتتظاهر بالبراءة وتتباكى على القيم النبيلة.. لا يحق لها أن تدَّعيَ أن حملتها الهمجية على المنطقة تتلفَّح بثوب العدالة والفروسية وهي تقتل البشر لمجرد الاشتباه ثم تخرج لتعبر عن شدة الأسف.. لا يحق لها أن تغيِّر مناهجنا الدراسية ونظم تعليمنا وتغرس فينا قيم الهزيمة والانكسار.
----------