مفاجأة من العيار الثقيل تلك التي فجَّرتها كتائب الشهيد عز الدين القسام حينما أعلنت عن اسمي منفذي العمليتين الاستشهاديتين في قلب ريشون ليتسيون، وشارع اللنبي بمدينة تل الربيع، واللتان نفذهما الاستشهاديان الأردنيان القساميان محمد معمر، وإياد رداد، وأسفرتا عن مقتل 26 صهيونيًّا، وجرح ما يزيد على المائة؛ وذلك بعد مرورِ ستةِ أعوامٍ على تنفيذهما عمليتيهما.
تمثَّلت المفاجأة هنا في السرية التامة التي أحاطت بالعمليتين البطوليتين، بالرغم من محاولات العدو الصهيوني المتكررة- عبر أجهزة مخابراته-، معرفة مَن يقف خلف العمليتين، إلا أن جميع جهوده باءت بالفشل الذريع، ولم يغلق الصهاينة ملف القضية حتى لحظة إعلان كتائب القسام عن هوية منفذي الهجومين قبل أيام، لتسجل كتائب القسام إخفاقة جديدة لأجهزة مخابرات العدو على الرغم من الإمكانات الهائلة التي يتمتع بها هذا الجهاز على مستوى المنطقة.
وكانت الحنكة العسكرية التي يتمتع بها جهاز حماس العسكري من خلال إيثار الصمت على الحديث، طالما أن الظرف العسكري يتطلب ذلك.
أثبتت كتائب الشهيد عز الدين القسام أنها تمتلك عقليةً عسكريةً متطورةً، كما أنها تملك حسًّا سريًّا عالي المستوى، طيلة سبعِ سنوات؛ لتعلن عمَّا تريد أن تعلن عنه في اللحظة التي يحددها القادة العسكريون وبشكلٍ مدروسٍ وواضحٍ، من خلال الإعلان عن مكان العملية وتاريخها، وطريقة تنفيذها، واسم الاستشهادي الذي نفَّذ العملية ولأي الأصول والمنابت ينتمي.
لم يكن أمرًا مستغربًا أن تصف كتائب الشهيد عزَّ الدين القسام مدينة الزرقاء الأردنية بمدينة "الأسود"، فالمدينة قدمت- ولا زالت- العشرات من الاستشهاديين والمعتقلين والمفقودين لدى الكيان الصهيوني، ليس أولهم الاستشهادي القسامي لبيب أنور عازم، منفذ عملية ضاحية "رامات غان" في تل الربيع المحتلة عام 1995م، ولن يكون آخرهم الاستشهاديان القساميان محمد معمر، وإياد رداد.
هناك مفاجأة ثالثة فيما يخص العمليتين البطوليتين، وربما أنها جعلت العدو الصهيوني في حيرةٍ من أمره، وهي أن منفذي الهجومين يحملان الجنسية الأردنية وعاشا فترةً طويلةً في الأردن وتحديدًا في مدينة الزرقاء، وتتمثل المفاجأة هنا في كيفية استقطاب استشهاديين جدد لدى كتائب القسام على الرغم من عدم وجود تاريخ نضال لهؤلاء الاستشهاديين، وهو ما سهَّل دخولهما بعد ذلك إلى قلبِ الكيان الصهيوني دون شكٍ من الصهاينة في هوية هؤلاء الأشخاص، كالاستشهاديين لبيب أنور وسعيد الحوتري ومحمد معمر وإياد رداد وغيرهم.
مفاجآت متتالية صفعت بها كتائب الشهيد عز الدين القسام العدو الصهيوني على أنفه، جعلته يترنح مرةً تلو الأخرى أمامها، فمن الصواريخ المتطورة يومًا عن يوم، والتي تتساقط تباعًا على مغتصبات العدو بالقرب من غزة، إلى الأنفاق الملتوية أسفل معسكراته والتي أدَّت به إلى تفكيكها والرحيل عنها، وصولاً إلى العمليات الاستشهادية والتي دوَّت في قلب الكيان الصهيوني من حيث لا يدري، وليس انتهاءً بأسر جلعاد شاليط من قلب دبابته.
سجَّلت كتائب القسام اسمها بأحرف من ذهبٍ في تاريخ المقاومة الفلسطينية الإسلامية، وقلبت بالتالي الطاولة على الجميع، فإما إذعان العدو الصهيوني لشروطها، والتي تتوافق مع مصلحة الشعب الفلسطيني في استرداد أرضه وممتلكاته، وإما انتظار الموت الزؤام، والقسام لديها المزيد.