م. هيثم أبو خليل

هكذا كان يضحكنا الفنان الراحل إسماعيل ياسين ونحن نشاهد فيلم (ابن حميدو) منذ عشرات السنين؛ فعندما حاول شرطي أن يفتشه عند إحدى نقاط المرور يرد عليه مستخفًّا به وهو الرجل المعروف في هذه المنطقة وعلى هذا الطريق ويقول له: "فتِّشني فتِّش".

 

وفي أيامنا تلك أطلق لفظ "تفتيش" على الزوجة التي تستقبل زوجها و(تنفضه) وتأخذ ما معه من أموال أو على مَن يخرج مع أولاده في "فسحة" ويصرف ما معه فيعود ويقول أنا "اتفتشت"!!.

 

وعلى الرغم من معارضتي بعضَ هذه الألفاظ والعبارات المستحدثة الذي بثَّها بعض شباب هذا الجيل في لغتنا وفي حواراتنا مع بعضنا البعض، إلا أنني لم أجد لفظًا دقيقًا معاصرًا لما يفعله النظام المصري وحكومته الإلكترونية "المهنجة" بالشعب المصري إلا أنه يقوم بتفتيشه و"تنفيضه"، لو صح التعبير.

 

فلقد أمعنوا فينا الابتزاز والاستنزاف، وأصبح التفتيش علنًا وبجرأةٍ وصفاقةٍ غير معهودة؛ فالنظام المصري وحكومته أصبحا يمثلان دور التاجر الفاشل بامتياز الذي يفتش في ملفاته القديمة، بل والحالية، ليبحث عن موارد جديدة لميزانيته المهترئة بدلاً من أن يبذل مجهودًا يُذكر في إقامة مشروعات أو إنشاء مصانع أو عمل تجارة جديدة تزيد الموارد وتحارب البطالة وتعدل الميزان الاقتصادي المختل لصالح الاستيراد؛ فوجدوا أن أسهل شيء هو استنزافنا لآخر نقطة دماء، بل ولآخر نفس.

 

فالنظام المصري وحكومته يفعلان كما يفعل الشحَّاذ عديم الذوق عندما ينظر إلى ما في أيدي مَن يعطيه ويهبه العطايا؛ فهو نظام يرفض أن يترك لنا قليلاً من المال في أيدينا يجعلنا نعيش في بحبوحةٍ قليلةٍ من العيش؛ فهو يريدنا دائمًا "على الحديدة"، وللأسف.. حتى "الحديدة" احتكرها رجل النظام أحمد عز، وجعل "الكيلو" منها بـ8 جنيهات!!.

 

وقام النظام المصري وحكومته تحت دعوى دعم "محدودي الدخل" بافتراس متوسطي الدخل، فتآكلت هذه الطبقة من بلادنا بفرض ضرائب من آنٍ لأخر، خلاف رفع الأسعار غير المبرر.

 

ففرْض الضرائب على الاتصالات والسيارات والعقارات؛ كل ذلك يتم تحت دعوى أنها لا تمس محدودي الدخل، فما بالنا بمعدومي الدخل؟!.

 

وكأن من عنده خط تليفون ويملك بيتًا صغيرًا وسيارة متواضعة لا يكون من محدودي الدخل هذه الأيام في مصر!!.

 

حتى ولو كان من عنده ما سبق من متوسطي الدخل فكيف يواجه هذا التآكل لدخله من فرض هذه الضرائب وارتفاع الأسعار بهذه الطريقة المرعبة، والتي جعلت زجاجة الزيت "أم 14 جنيه" نضعها في غرفة الصالون بدلاً من المطبخ؟!! فهل تنفع علاوة الـ30% المزعومة، والتي انتهت بعد هذه الضجة بحد أقصى 180 جنيهًا وحد أدنى 39 جنيهًا، "ولا حس ولا خبر" عن هذا السقف في الصحف الحكومية التي صدَّعت أدمغتنا في ترويساتها بهذه العلاوة غير المسبوقة.

 

لكن ماذا يمكن أن تقدم 180 جنيهًا لو افترضنا جدلاً أن أساسي غالبية الموظفين في مصر هو 600 جنيه يستحقون عليه الحد الأقصى؟! هل هذه الزيادة ستفي بزيادة الألبان إلى 5 جنيهات للكيلو؟! أم الحلاوة الطحينية (طعام المساجين) التي أصبح الكيلو منها بـ16 جنيهًا؟! أم- اللهم اجعله خير- اللحمة التي أصبحت بـ50 جنيهًا؟! أم الفول والعدس الذي تراوحت أسعارهما بين 8 و9 جنيهات؟!، هذا خلاف الضرائب التي تُستَحدث بين ليلة وضحاها، وآخرها الضريبة العقارية.

 

لكن ما الحل؟

حتى لا نُتَّهم بلعن الظلام دون تقديم حلول.. الحل يا سادة هو أنه يجب أن نفهم وأن نقتنع، ونُقسِم على أن هذا النظام الذي يختار الفاشلين غير المخلصين من أهل الثقة دون أهل الكفاءة؛ لم ولن يصنع لنا ولبلادنا حضارةً أو تقدُّمًا، ولن يشفق على هذا الشعب و"يحن" ويرق قلبه على هذا الشعب ويحاول أن يجعله يعيش أيامًا سعيدة من خير بلاده بدلاً من نهبها وسرقتها.

 

وأعتقد أن السبيل الوحيد لرفاهية هذا الشعب وخروجه مما هو فيه من فقرٍ وقهرٍ وضنكٍ هو العمل على التغيير السلمي لهذا النظام بكل من فيه بشخوصه ورموزه والدفع برجال وشرفاء الوطن المخلصين والوطنيين حتى يتسلَّموا أنقاض هذا الوطن وإعادة بنائه.

-------

* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- haythamabokhalil@hotmail.com