ما زال المجتمع الكويتي منشغلاً بتداعيات الانتخابات، ومع بداية دخول الدورة البرلمانية حيز الفعل والتنفيذ انتابني شعور إشفاق وعطف على من وصل إلى قبة البرلمان في ظل التحديات التي تنتظرهم، وعِظَم الأمانة وثقل المسئولية التي تواجههم، فإذا كانت مسئولية الإنسان- كخليفة لله في الأرض- عظيمةً ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب: 72) وهذه مسئولية الفرد.. فما بالك بمسئولية 50 فردًا هم أعضاء البرلمان الكويتي عن عددٍ يقترب من مليوني إنسان؟!.

 

وهل سيتمكن النواب من العمل بروح الفريق ليتم الإنجاز، وهم من امتدادات متباينة فكريًّا واجتماعيًّا، إضافةً إلى إشكالية التوفيق بين المصالح الوطنية العليا والضغوط الشعبية، فضلاً عن الرغبة في التعاون مع الحكومة وتحقيق الموازنة بالقيام بالدور الرقابي المطلوب، ولا ننسى طبعًا واجبات النائب المقررة سلفًا، والتي يراها الكثيرون التزامًا لا يقبل التفاوض، ألا وهي الخدمات والمعاملات، مهما أتى ذلك على حساب الأدوار الأخرى المهمة التي لا بد أن يضطلع بها العضو، فضلاً عن استحقاق الوفاء بالوعود والسعي إلى تنفيذ البرنامج الانتخابي... إلخ؟!.

 

ألا تتفقون معي- قرائي الكرام- بشعور الإشفاق؟! ألم تشاطروني الإحساس بعِظَم تلك المسئولية وخطورتها؟!؛ لذا فأنا مؤمنة بأنه لا بد ألا يتصدى لها إلا أهل الثقة والقوة والأمانة والكفاءة.

 

وهنا يتبادر السؤال: لم تصل امرأةٌ واحدة على الأقل إلى المجلس.. هل تنقصهن تلك المواصفات؟.

 

أعتقد أن لذلك أسبابًا عديدة ليس المجال اليوم لذكرها تفصيلاً، إلا أننا كنا قد بيَّنا في مقال سابق أن المجتمع ما زال غير مهيَّأ بعدُ لوصول امرأةٍ إلى كرسي البرلمان؛ نظرًا لوجود عامل حاسم، وهو وجود خطاب المنع الشرعي لمن يتبنَّى ذلك الرأي، ولأن مجتمعنا يجنح إلى المحافظة؛ فإن اتقاء الشبهة لديه أَوْلى من الوقوع في شركها، إضافةً إلى أسباب أخرى؛ منها ضيق الوقت المتاح، والحسم القَبَلي والطائفي، ولا ننسى أن المرأة لم تتمرّس بعُد في ملف التكتيكات النوعية، إضافةً إلى احتياج المرأة مزيدًا من التأهيل في مهارة العمل الجماهيري وصياغة الخطاب الانتخابي... إلخ.

 

وقد تناولت التحليلاتُ المختلفةُ إخفاقَ المرأة في هذه الانتخابات، لكني- مع احترامي لكل وجهات النظر- أخالف الأفاضل الذين سمَّوا تلك التجربة إخفاقًا.. هم ينظرون إلى النصف الفارغ من الكوب، ونسَوا أن يروا النصف المملوء!!.

 

المرأة الكويتية حققت خطوات بالغةَ الأهمية في الانتخابات الأخيرة، وكأنني أرى ملامح الاستغراب تعلو بعض الوجوه وأنا أكتب تلك العبارة!!، إذن فاسمحوا لي يا كرام أن أوضح مقصدي؛ فعدم وصولِ امرأة ونجاحِها في الفوز بالعضوية أمرٌ وتحقيق المرأة الكويتية نجاحاتٍ في الساحة الانتخابية أمرٌ آخر مختلف.

 

إذن فالسؤال: ما هي صور ذلك النجاح؟.

1- تمرست المرأة أكثر في إدارة الحملة الانتخابية والقدرة على الحشد الجماهيري وتوظيف الطاقات نحو الأهداف الانتخابية.

 

2- برزت أسماء أكثر واقعية وجدية في خوض غمار التجربة الانتخابية، وباتت خيارًا عمليًّا لشرائح مجتمعية مختلفة وفقًا للكفاءة والمعايير الوطنية.

 

3- تراجع الخطاب الإقصائي الذي كان يلغي أية مشاركة للمرأة في العمل العام، ويُلزم الآخرين باختياره وفقًا لتوسيع دائرة الحرج وسد الذرائع التي حَرمَت المجتمعَ جهودَ المرأة لسنوات.

 

4- اقتناع بعض التيارات والكتل بالعائد الإيجابي من مشاركتها في القائمة الانتخابية، ولعل الأرقام أثبتت أنها رهان يستحق المضي فيه، وليس المشاركة لتجميل الصورة.

 

5- للمرة الثانية تخوض المرأة التجربة الانتخابية بأبعادها المختلفة (ترشيحًا وانتخابًا)، وفي فترة زمنية قياسية؛ لكون الأولى بعد الحل ولمدة شهر، والثانية بنفس الظروف، وأمكن مواكبة تحديات وظروف الحل وضيق الوقت.

 

6- بروز حراك نسائي مؤخرًا يستحق الإشادة، كجهود معهد المرأة للتنمية والتدريب، وتنامي ذلك الكيان الجميل الذي يجسد تلاقيًا وطنيًّا لرموز نسائية كريمة، وكذلك نشاط مؤسسة منار، وغيرها الكثير.

 

وبعد ذلك الإيضاح.. اسمحوا لي أن أؤكد أن حظوظ المرأة لم تتراجع في الساحة، بل ازدانت الحياة الديمقراطية بالمرأة؛ فمشاركتها أضحت أكثر تميزًا وأقوى فاعليةً، ووعيُها بات أكثر نضجًا وغدت شريكًا حاضرًا لا رديفًا يسير حيث سار الركب، بل إنها تتوثب حماسًا وتتدفق تفاؤلاً لانطلاقةٍ تخدم بها وطنَها الغالي.

--------

* مسئولة مكتب المرأة في الحركة الدستورية الإسلامية (حدس)