معلومٌ في تاريخ الأمة الإسلامية أن واحدًا من أشدِّ الأيام التي مرَّت على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين وعلى الدعوة الإسلامية هو يوم أحد، وما أصاب المسلمين فيه من جراحاتٍ وآلامٍ ماديةٍ ومعنـويةٍ، وأبى الحقُّ سبحانه وتعالى إلا أن يسجِّله قرآنًا يُتلى؛ يتلوه المسلمون الذين أصابهم القَرْح، ثم يتلوه كلُّ مَن جاء بعدهم؛ وذلك للعبرة والاستفادة من التجربة، وقد استهلَّت الآيات التي تحدثت عن يوم أحد بقول الحق تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)﴾ (آل عمران).

 

أقول هذه المقدمة لأن هذا الأسبوع الذي يحمل ذكرى الخامس من يونيو 1967م قد مرَّ علينا على استحياءٍ وبكل هدوءٍ، ويكاد أن ينسحب عليه ذيل النسيان، ويغيَّب عن الذاكرة الإسلامية حفاظًا على الودِّ بيننا وبين الصهاينة!!.

 

وأقول لجيلنا الذي عاش هذه الطامَّة وتجرَّع مرارتها حتى الثمالة: حذارِ أن تنمحي هذه الأيام من ذاكرتكم.. قصُّوها على أولادكم وأحفادكم.. علِّموهم إياها كما تعلمونهم السورةَ من القرآن؛ ليعلموا أيَّ عدوٍّ يواجهون.. علِّموهم أن للنصر قوانين لا تتخلَّف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)﴾ (الأنفال).

 

1- اذكروا لأولادكم أن القانون الأول من قوانين النصر ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾.. كيف كان ثباتنا مع أول طلقة، وكيف فرَّ القادة مخلِّفين وراءهم أسلحتهم وجنودهم في أسرع حربٍ؛ ولذلك سمِّيت بحرب الساعات الست؟!!

 

2- اذكروا لأولادكم كيف كان موقف الجيش المرابط مع الشرط الثاني من قوانين النصر ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾؟! لقد كانت القوات على الحدود على مرمى حجرٍ من قوات العدو ويسهرون حتى مطلع الفجر، تُعزَف عليهم المعازف ويراقصون القيان فيما عُرِفَ بحفلات الترفيه عن الجنود.

 

لقد كانت قوافل الفن والعهر تجوب سيناء طوال أيام المرابطة، مرصودةً بالكاميرات ومَذيعةً على شاشات التلفاز وعلى مرأى ومسمع العدو!.

 

3- اذكروا لأولادكم أن قانون النصر ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.. كيف كان التنازع والتنافس والصراعات بين القيادات السياسية والعسكرية في ذلك التاريخ، والتي تتكشَّف تباعًا وما زالت تتكشَّف؟! كيف تنازعوا فذهبت ريحهم، وفي الوقت الذي كانت تقف فيه العجوز الشمطاء جولدا مائير على شاطئ القناة تثبِّت فيه العلَم الصهيوني كان قادتنا الشبان يخططون لإخراجٍ جيدٍ لكيفية تقديم الاستقالات والتنحي عن المسئولية!!.

 

4- علِّموا أولادكم قانون النصر ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾.. كيف كان خروج قواتنا في مظاهرة و"كرنفال" وزهو وخيلاء؟ وكيف على أعين كاميرات التلفازات العالمية صُوِّرت أسراب طائرات أكبر قوة جوية ضاربة في الشرق الأوسط؟! وكيف صُوِّرت صواريخ القاهر والظافر و.. و..، ولكن كانت كما قال الشاعر:

وسوف ترى إذا انكشف الغبار             أفرس تحتك رجلك أم حمار!!

 

وكيف عبَّأ الإعلام الزائف الشعوبَ المضللةَ بأن "إسرائيل" قد حان حينها، وأن البحر مصيرها، وأن في اقتحام العقبة قطع الرقبة، وأن جيوشنا في حرب ترفيهية، ولأول مرةٍ في تاريخ الحروب نسمع عن مصطلح (حرب ترفيهية)؛ فالحرب هي الحرب ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 216)، وكانت النتيجة ذلك الحصاد المر.

 

5- لكن علموا أولادكم أيضًا بطولاتٍ ومواقفَ باهرةً؛ سجَّلتها بعض جيوب الجنود المنسحبة أثناء الانسحاب.. كيف حاصرها العدو فدوَّخته؟ وكيف حاصرت العدو فقذفت الرعب في قلبه، وظلت تقاتل كأشرس وأشرف ما يكون القتال حتى آخر طلقةٍ في جعبتها، واستُشهدت قابضةً على سلاحها في مواقف بطولية كاد أن ينسحب عليها ذيل النسيان وتطمرها رمال سيناء كما طمرت مئات الآلاف من الشهداء؛ مرةً بغدر قادتهم وتركهم في العراء، ومرةً بالحقد المتأجِّج في قلوب بني صهيون، وكيف كانوا يتسلَّون ويتفكَّهون بالجنود قبل قتلهم ببشاعة؟! لم يَرْوِ لنا التاريخ، قديمُه وحديثُه وفي أكثر عهود البشرية ظلامًا وظلمًا، مثل هذه الروايات.

 

6- علموا أولادكم مشاهد معاملة الأسرى المصريين في هذه الحرب القذرة وفي كل الحروب مع اليهود، وعلِّموهم لماذا فُتح ملف الأسرى المصريين للمناقشة في مجلس الشعب المصري منذ سنوات ثم أُغلق بأسرع من حرب الساعات الست.

 

إننا نناشد كلَّ مسئول وكلَّ مؤرّخ وكلَّ جهة ذات شأن المبادرةَ بتسجيل هذه الجرائم قبل أن يموت شهود العيان الذين كاد جيلهم أن ينقرض.

 

ونحن نسأل: لمصلحة من يراد تغييب هذه المشاهد ومحو ذكريات الخامس من يونيو من ذاكرة الأمة؟! ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 138).

-------

* أستاذ جامعي- fagh40@hotmail.com